إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٦٦ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
[ ()] رفعتك و علوّ مرتبتك أن تلحق بمن يقول إنه دونك من حيوان أو نبات أو جماد، فإن كل شيء مفطور على العلم باللَّه، إلا أن مجموع الإنس و الجانّ فإنه من حيث تفصيله منطو على العلم باللَّه كسائر ما سواهما من المخلوقات، من ملك، و حيوان، و نبات، و جماد، فما من شيء فيه شعر، و جلد، و لحم، و عصب، و دم، و روح، و نفس، و ظفر، و ناب، إلا هو عالم باللَّه، حتى ينظر و يفكّر، و يرجع إلى نفسه، فيعلم أن له صانعا صنعه، و خالقا خلقه، فلو أسمعه اللَّه نطق جلده، أو يده، أو لسانه، أو عينه، لسمعه ناطقا بمعرفته بربه، مسبّحا لجلاله، مقدّسا لجماله يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ [النور: ٢٤]، الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس: ٦٥]، وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [فصلت: ٢١]. فالإنسان من حيث تفصيله عالم باللَّه، و من حيث جملته جاهل باللَّه حتى يعلم، أي يعلم بما في تفصيله، فهو العالم الجاهل، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
قال أبو القاسم الأصفهانيّ: الوحي: الإشارة السريعة، و لتضمّن السّرعة قيل: أمر وحيّ، و ذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز أو التعريض فالرمز: الصوت الخفيّ، أو الإشارة بالشّفة، و التعريض:
خلاف التصريح، و هو تورية في القول، و لحن الكلام- و قد يكون بصوت مجرد عن التركيب، و بإشارة ببعض الجوارح، و بالكتابة، و قد حمل على كل ذلك قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [مريم: ١١]، فقد قيل: رمز، و قيل: أشار، و قيل كتب، و حمل على هذه الوجوه أيضا قوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: ١١٢]، و قوله: وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [الأنعام: ١٢١]، فلذلك بالوسواس المشار إليه بقوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [الناس: ٤] و
بقوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن للشيطان لمّة».
و يقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه و أوليائه وحي، و ذلك أضرب حسب ما دلّ عليه قوله تعالى: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: ٥١]، و ذلك إما برسول مشاهد ترى ذاته، و يسمع كلامه، كتبليغ جبريل (عليه السلام) للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) في صورة معيّنة، و إما بسماع كلام من غير معاينة، كسماع موسى (عليه السلام) كلام اللَّه تعالى.
و إما بإلقاء في الرّوع [القلب أو النفس]، كما
ذكر (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن روح القدس نفث في روعي» [رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أمامة]،
و إما بإلهام نحو قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧]، و إما بتسخير نحو قوله تعالى: وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: ٦٨] و إما بمنام كما
قال (صلى اللَّه عليه و سلم): «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» [الحديث أخرجه الإمام أحمد، و مسلم، و أبو داود، و ابن ماجة، عن ابن عباس، و أول الحديث:
«أيها الناس، لم يبق من مبشرات النبوة ...].
فالإلهام، و التسخير، و المنام، دلّ عليه قوله تعالى: إِلَّا وَحْياً [الشورى: ٥١]، و سماع الكلام من غير معاينة، دلّ عليه قوله تعالى: مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١]، و سماع الكلام من غير معاينة، دلّ عليه قوله تعالى: مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١]، و تبليغ جبريل (عليه السلام) في صورة معيّنة، دل عليه قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [الشورى: ٥١].