إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٦٧ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [١]، و فيه: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [٢] أي إليها، فمعنى هذا:
أمرها، و وحي في هذا المعنى و أوحى إليه و وحي إليه: أومأ. و في التنزيل:
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [٣].
و قال الحافظ أبو نعيم [٤]: و معنى الوحي مأخوذ من الوحا، و هو العجلة، فلما
[ ()] و قوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام: ٩٣]، فذلك ذم لمن يدعي شيئا من أنواع ما ذكرنا من الوحي، أي نوع ادّعاه من غير أن يكون حصل له.
و قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ [الأنبياء: ٢٥]، فهذا الوحي هو عامّ في جميع أنواعه، و ذلك أن معرفة وحدانية اللَّه تعالى، و معرفة وجوب عبادته، ليست مقصورة على الوحي المختص بأولي العزم من الرسل، بل ذلك يعرف بالعقل و لإلهام، كما يعرف بالسمع، فإذا القصد من الآية تنبيه أنه من المحال أن يكون رسول لا يعرف وحدانية اللَّه تعالى و وجوب عبادته.
و قوله تعالى: وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي [المائدة ١١١]، فذلك وحي بسواطة عيسى (عليه السلام).
و قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ [الأنبياء: ٧٣] فذلك وحي إلى الأمم بواسطة الأنبياء (عليهم السلام).
و من الوحي المختص بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) قوله تعالى: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام: ١٠٦]، و قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخِيهِ [يونس: ٨٧]، فوحيه إلى موسى بوساطة جبريل، و هارون بواسطة موسى (عليهما السلام).
و قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [الأنفال: ١٢]، فذلك وحي إليهم بوساطة اللوح و القلم فيما قبل.
و قوله تعالى: وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فصلت: ١٢]، فإن كان الوحي إلى أهل السماء فقط، فالموحي إليه محذوف ذكره، كأنه قال: أوحى إلى الملائكة، لأن أهل السماء هم الملائكة، و يكون كقوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ [الأنفال: ١٢]، و إن كان الموحي إليه هي السماوات، فذلك تسخير عند من يجعل السماء غير حيّ، و نطق عند من يجعله حيا.
و قوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: ٥]، قريب من الأول.
و قوله تعالى: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه: ١١٤]، فحث على التثبت في السّماع، و على ترك الاستعجال في تلقيه و تلقّنه. (بصائر ذوي التمييز):
٥/ ١٧٧- ١٨٢.
[١] النحل: ٦٨.
[٢] الزلزلة: ٥.
[٣] مريم: ١١.
[٤] هو أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصبهاني، نسبة إلى أصبهان، و هي بلدة في وسط إيران.
و ينقل ابن خلكان في (وفيات الأعيان) عن أبي نعيم نفسه أنه قد ذكر أن جده «مهران» قد أسلم، و كأنه يشير بذلك إلى أنه أول من أسلم من أجداده، و قد كان «مهران» هذا مولى لعبد اللَّه بن جعفر، هذا.