إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٨٢ - انخلاع كعب من ماله
نعم، و لكن لا تدعيه يصل إليك، فقالت: يا رسول اللَّه، ما به من حركة إليّ!
و اللَّه ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. و إن لحيته لتقطر دموعا الليل و النهار و لقد ظهر البياض على عينيه حتى تخوّفت أن يذهب بصره.
التوبة على الثلاثة و ما نزل من القرآن
فلما كملت خمسون ليلة- و هم كما قال اللَّه تعالي: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ- أنزل اللَّه توبتهم بقوله تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [١].
فأعلم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك عند الصّبح. فخرج أبو بكر رضي اللَّه عنه فأوفي على سلع [٢] فصاح: قد تاب اللَّه على كعب بن مالك! يبشره. فأتاه حمزة بن عمرو فبشره، فنزع ثوبيه و كساهما إياه، و لا يملك غيرهما، و استعار ثوبين من أبي قتادة فلبسهما، ثم انطلق إلى رسول اللَّه و الناس يهنئونه، و خرج أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال يبشره فلما أخبره سجد و لقيه الناس يهنئونه، فما استطاع المشي- لما أصابه من الضعف و الحزن و البكاء- حتى ركب حمارا. و بشّر مرارة بن ربيع بن سلكان بن سلامة بن وقش، فأقبل حتى توافدوا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).
انخلاع كعب من ماله
فقام طلحة بن عبيد اللَّه يتلقى كعب بن مالك. فلمّا سلّم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له- و وجهه يبرق من السرور-: أبشر بخير يوم مر عليك منذر ولدتك أمّك! فقال: أمن عندك يا رسول اللَّه أو من عند اللَّه؟ قال: من عند اللَّه، و تلا
[١] الآيات ١١٧- ١١٩/ التوبة، و في (خ) «الأنصار» الآيات.
[٢] سلع: جبل بسوق المدينة.