إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٧٤ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
و قيل إنها مشتقة من النّبوة التي هي المكان المرتفع عن الأرض، و هو أن يخص بضرب من الرفعة، فجعل سفيرا بين اللَّه و بين خلقه، يعنى بذلك وصفه بالشرف و الرفعة.
و من جعل النبوة من الأنباء التي هي الأخبار، لم يفرق بين النبوة و الرسالة، و معنى الرسول: فهو المرسل، معول على لفظ مفعل، و إرساله أمره إياه بإبلاغ الرسالة و الوحي.
قال كاتبه: و النبي أصله بالعبرانية نبي- بضم النون و كسر الباء الموحدة ثم ياء آخر الحروف لا همز عليها- فلما عرّبت قيل: نبي بفتح النون، و هذا يؤيد أن ترك الهمز أشهر و أعرف، و فوق كل ذي علم عليم.
تنبيه و إرشاد إلى معنى النبوة- و اللَّه أعلم- و كيفية تلقي الأنبياء الوحي: اعلم أن اللَّه سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه، و فطرهم على معرفته، و جعلهم وسائل بينه و بين عباده، يعرفونهم مصالحهم و يحرصون على هدايتهم، و يأخذون بحجزاتهم عن النار، و يدلونهم على طرق النجاة، و كان مما يلقيه اللَّه تعالى إليهم من المعارف، و يظهره على ألسنتهم من الخوارق، وقوع الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من اللَّه بوساطتهم، و لا يعلمونها إلا بتعليم اللَّه إياهم،
قال (صلى اللَّه عليه و سلم): «ألا و إني لا أعلم إلا ما علمني اللَّه».
و اعلم أن خبرهم في ذلك من خاصته و ضرورته الصدق، كما يتبين لك عند بيان حقيقة النبوة، و علامة هذا الصنف من البشر أن يوجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين، مع غطيط كأنها غشي أو إغماء و ليست منها في شيء، إنما هي بالحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحانيّ بإدراكهم المناسب لهم، الخارج عن مدارك البشر كلية. ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما سماع دوي من الكلام فيتفهمه، أو يتمثل له في صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند اللَّه، ثم ينجلي عنه تلك الحال، و قد وعى ما ألقي عليه.
قال (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد سئل [١] عن الوحي:
[١] السائل هو: الحارث بن هشام المخزومي، أخو أبي جهل شقيقه، أسلم يوم الفتح، و كان من فضلاء الصحابة، و استشهد في فتوح الشام.