إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٨١ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
من عالم [القدرة] [١] الّذي استجمع فيه الكيس و الإدراك، و لم ينته إلى الرؤية و الفكر بالفعل، و كان ذلك في أول أفق من الإنسان بعده، و هذا غاية شهودنا.
ثم أنا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوعة، ففي عالم الحس آثار من حركة الأفلاك و العناصر، و في عالم التكوين آثار من حركات النمو و الإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا مباينا للأجسام، فهو روحاني متصل بالمكونات، لوجود اتصال هذه العوالم في وجودها، و ذلك هو النفس المدركة و المحركة، و لا بد فوقها من موجود آخر يعطيها قوى الإدراك و الحركة، و يتصل بها أيضا و تكون [ذواته] [٢] إدراكا صرفا، و تعقلا محضا، و هو عالم الملائكة، فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملائكية، لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات، و في لمحة من اللمحات، و ذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل- كما نذكره بعد [ذلك] [٣] إن شاء اللَّه- و يكون لها اتصال بالأفق الّذي بعدها، شأن الموجودات المترتبة كما قدمناه، فلها في الاتصال جهة العلو و السفل، فهي متصلة بالبدن من أسفل منها، و مكتسبة به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل، و متصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكية، و مكتسبة منه المدارك العلية و الغيبية، فإن علم الحوادث موجود في ذواتهم من غير زمان، و هذا على ما قدّمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته و قواه بعضها ببعض.
ثم إن هذه النفس الإنسانية غائبة من العيان، و آثارها ظاهرة في البدن، و كأنه و جميع أجزائه مجتمعة و متفرقة آلات للنفس و لقواها، أما الفاعلة: فالبطش باليد، و المشي بالرجل، و الكلام باللسان، و الحركة الكلية بالبدن متدافعا، و أما المدركة و إن كانت قوى الإدراك مترتبة و مرتقبة إلى القوة العليا منها و هي المعركة التي يعبرون عنها بالناطقة، فقوى الحس الظاهر بآلاته من البصر و السمع و سائرها ترتقي إلى الباطن، و أوله الحسن المشترك، و هو قوة تدرك المحسوسات، مبصرة، و مسمعة، و ملموسة، و غيرها في حالة واحدة، و بذلك فارقت قوة الحس الظاهر، لأن
[١] في (خ): «القردة».
[٢] في (خ): «ذواية».
[٣] زيادة للسياق.