إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٧٦ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
[ ()] و قال الكرماني: الجرس: ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحصلت الصلصلة. فإن قيل: المحمود لا يشبّه بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، و المشبه الوحي و هو محمود، و المشبه به صوت الجرس و هو مذموم لصحة النهي عنه، و التّنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، و الإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم، و أبو داود، و غيرهما، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟.
و الجواب: أنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه و المشبه به في الصفات كلها، بل و لا في أخصّ وصف له. بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، فالمقصود هنا بيان الجنس، فذكر ما ألف السامعون سماعه، تقريبا لأفهامهم. و الحاصل أن الصوت له جهتان: جهة قوة و طنين، فمن حيث القوة وقع التشبيه به، و من حيث الطرب وقع التنفير عنه، و علل بكونه مزمار الشيطان. قيل: و الصلصلة المذكورة صوت الملك بالوحي.
قال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه و لا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد. و قيل: بل هو صوت خفيف أجنحة الملك. و الحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره.
و لما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا؟ متدارك؟ وقع التشبيه دون غيره من الآلات.
قوله: [و هو أشدّ عليّ]، يفهم منه أن لوحي كلّه شديد، و لكن هذه الصفة أشدها، و هو واضح، لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أن كل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، و الحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل و سامع، و هي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية و هو النوع الأول، و إما باتصاف القائل بوصف السامع و هو البشرية و هو النوع الثاني، و الأول أشدّ بلا شك.
قوله: [فيفصم] بفتح أوله و سكون الفاء و كسر المهملة، أي يقلع و يتجلى ما يغشاني، و يروي بضم أوله، و في رواية بضم أوله و فتح الصاد على البناء للمجهول، و أصل الفصم القطع، و منه قوله تعالى:
لَا انْفِصامَ لَها [البقرة: ٢٥٦]، و قيل: الفصم بالفاء القطع بلا إبانة، و بالقاف القطع بإبانة، فذكر بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، و الجامع بينهما بقاء العلة.
قوله: [و قد وعيت عنه ما قال]، أي القول الّذي جاء به، و فيه إسناد الوحي إلى قول الملك، و لا معارضة بينه و بين قوله تعالى- حكاية عمن قال من الكفار-: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: ٢٥] لأنهم كانوا ينكرون الوحي، و ينكرون مجيء الملك به.
قوله: [يتمثل لي الملك]، التمثل مشتق من المثل، أي يتصور، و اللام في الملك للعهد و هو جبريل، و قد وقع التصريح به في رواية ابن سعد، و فيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر. قال المتكلمون:
الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا، و زعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية.
و [رجلا]، منصوب بالمصدرية، أي يتمثل مثل رجل، أو بالتمييز، أو بالحال، و التقدير هيئة الرجل. قال إمام الحرمين: تمثل جبريل معناه أن اللَّه أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد. و جزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، و قرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيا، لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها اللَّه تعالى في بعض خلقه. و نظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح في الجنة. قال الحافظ