إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٥٧ - فصل في ذكر ما كان رسول اللَّه
فصل في ذكر ما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يتديّن به قبل أن يوحي إليه
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي عن عروة بن رويم قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أول ما نهاني ربي عن عبادة الأصنام و عن شرب الخمر و عن ملاجأة الرجال [١].
قال الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل (رحمه اللَّه): من قال أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان على دين قومه فهو قول سوء، أ ليس كان لا يأكل مما ذبح على النصب؟.
و قد خرج البيهقي من حديث يونس بن شبيب عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر عثمان بن أبي سليمان عن نافع عن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال: لقد رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو على دين قومه و هو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقا من اللَّه عزّ و جل له. قال البيهقي: قوله على دين قومه معناه: على ما كان قد بقي فيهم من إرث إبراهيم و إسماعيل في حجهم و مناكحهم و بيوعهم دون الشرك، فإنه لم يشرك باللَّه قط. و فيما ذكر من بغضه اللات و العزى دليل على ذلك [٢].
و قال أبو نعيم: و ما أضيف إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من الذبح على النّصب خلاف ما كانت قريش تذبحه، لأن قريشا تذبحه عند الآلهة تقربا و تدينا و هو شرك و كفر، و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد عصمه اللَّه من هذا، و يجوز أن يكون هذا الفعل في موضع ذبائحهم، فيكون القربان للَّه، كما لو صلّى إنسان من المسلمين في كنيسة صلاة الإسلام جاز، و هو في الظاهر مستقبح، و يحتمل أن يكون يحضر مذابحهم مداريا لأعمامه و عماته كما رواه ابن عباس رضي اللَّه عنه في قصة عيد بوانة على ما تقدم ذكرنا مع طمأنينة قلبه للإيمان و بغضه لأنصابهم و أعيادهم كما روينا، مع أن بعض الناس من أهل العلم كان يقول: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) على دين قومه في أكل ذبائحهم
[١] تلجّأ من القوم: انفرد عنهم و خرج عن زمرتهم و عدل إلى غيرهم. و في حديث كعب: «من دخل ديوان المسلمين ثم تلجّأ منهم فقد خرج من قبة الإسلام» (المعجم الوسيط) ج ٢ ص ٨١٥.
[٢] (دلائل البيهقي): ٢/ ٣٧.