إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٦٥ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كيف تراءى الملك له و إلقاؤه الوحي إليه و تقريره له أنه يأتيه من عند اللَّه عز و جل و أنه قد صار يوحى إليه نبيا و رسولا إلى الناس جميعا
قال ابن سيده في كتاب المحكم: و جاء وحيا: كتب، و الوحي المكتوب أيضا و على ذلك جمعوا فقالوا: أوحى، و أوحى إليه: ألهمه [١]، و في التنزيل: وَ أَوْحى
[١] الوحي: ما يقع به الإشارة القائمة مقام العبارة من غير عبارة، فإن العبارة يجوز منها إلى المعنى المقصود بها، و لذا سميت عبارة، بخلاف الإشارة التي هي الوحي فإنّها ذات المشار إليه، و الوحي هو المفهوم الأول، و الإفهام الأول، و لا تعجب من أن يكون عين الفهم عين الإفهام عين المفهوم منه، فإن لم تحصل لك هذه النكتة فلست بصاحب وحي، أ لا ترى أن الوحي هو السرعة، و لا سرعة أسرع مما ذكرنا، فهذا الضرب من الكلام يسمى وحيا، و لما كان بهذه المثابة و أنه تجلّ ذاتي، لهذا ورد في الحديث الّذي رواه ابن حبان في صحيحه، و القسطلاني في (إرشاد الساري) ١/ ١٦٧ من عدة طرق، و بألفاظ تزيد و تنقص، و كلها متقاربة المعنى: «أنّ اللَّه إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاة فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم فزّع عن قلوبهم [كشف عنهم الخوف] فيقولون: يا جبريل، ما ذا قال ربّك؟ فيقول: الحقّ، فينادون الحق و هو العلي الكبير»، و ما سألت الملائكة عن هذه الحقيقة و إنما عن السبب من حيث هويته.
فالوحي: ما يسرع أثره من كلام الحق في نفس السامع، و لا يعرف هذا إلا العارفون بالشئون الآلهية، فإنّها عين الوحي الإلهي في العالم و هم لا يشعرون. و قد يكون الوحي إسراع الروح الإلهي بالإيمان بما يقع به الإخبار و المفطور عليه كلّ شيء مما لا كسب فيه من الوحي أيضا، كالمولود يلتقم ثدي أمه، ذلك من أثر الوحي الإلهي كما قال: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥]، وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة: ١٥٤]، و قال تعالى: وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ، [النحل:
٦٨]، فلو لا أنها فهمت من اللَّه وحيه لما صدر منها ما صدر، و لهذا لا تتصوّر معه المخالفة إذا كان الكلام وحيا، فإن سلطانه أقوى من أن يقاوم، وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ [القصص: ٧]، و لذا فعلت و لم تخالف، و الحالة تؤذن بالهلاك و لم تخالف و لا تردّدت، و لا حكمت عليها البشرية بأن هذا من أخطر الأشياء، فدلّ على أن الوحي أقوى سلطانا في نفس الموحى إليه من طبعه الّذي هو عين نفسه، قال تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦]، و حبل الوريد من ذاته.
فإذا زعمت يا وليّ بأن اللَّه أوحى إليك فانظر نفسك في التردّد و المخالفة، فإن وجدت لذاك أثر تدبير أو تفضيل أو تفكّر فلست بصاحب وحي، فإن حكم عليك و أعماك و أصمّك و حال بينك و بين فكرك و تدبيرك و أمضى حكمه فيك، فذلك هو الوحي، و أنت عند ذلك صاحب وحي، و علمت عند ذلك أن.