إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣١٥ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في طاعة ربه و مداومته على عبادته
خرّج البخاري من حديث حيوة عن أبي الأسود، سمع عروة عن عائشة رضي اللَّه عنها أن نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يقوم الليل حتى تتفطر [١] قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول اللَّه و قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: أ فلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟ فلما كثر لحمه صلّى جالسا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع [٢].
[١] تتفطر: تتشقق
[٢] (فتح الباري) ج ٨ ص ٧٥١، كتاب التفسير، سورة (٤٨): باب (٢) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً حديث رقم (٤٨٣٧).
و حيوة: هو ابن شريح المصري. و أبو الأسود: هو محمد بن عبد الرحمن النوفلي المعروف بيتيم عروة، و نصف هذا الإسناد مصريون و نصفه مدنيون. قوله: «فلما كثر لحمه»، أنكره الداوديّ و قال:
المحفوظ «فلما بدن» أي كبر، فكأن الراويّ تأوله على كثرة اللحم.
و تعقبه أيضا ابن الجوزي فقال: لم يصفه أحد بالسمن أصلا، و لقد مات (صلى اللَّه عليه و سلم) و ما شبع من خبز الشعير في يوم مرتين، و أحسب بعض الرواة لما رأى «بدن» ظنه كثر لحمه، و ليس كذلك، و إنما هو بدن تبدينا أي أسنّ، قاله أبو عبيدة.
قال الحافظ ابن حجر: و في استدلاله بأنه لم يشبع من خبز الشعير نظر، فإنه يكون من جملة المعجزات، كما في كثرة الجماع، و طوافه في الليلة الواحدة على تسع و إحدى عشرة، مع عدم الشبع و ضيق العيش، و أي فرق بين تكثير المني مع الجوع، و بين وجود كثرة اللحم في البدن مع قلة الأكل؟
و قد أخرج مسلم من طريق عبد اللَّه بن عروة، عن عائشة قالت: «لما بدن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ثقل كان أكثر صلاته جالسا»، لكن يمكن تأويل قوله: «ثقل»، أي ثقل عليه حمل لحمه، و إن كان قليلا لدخوله في السن.
قوله: «صلّى جالسا، فإن أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع» في رواية هشام بن عروة عن أبيه، «قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع»، أخرجاه.
و أخرجا من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة بلفظ، «فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأها و هو قائم ثم ركع».
و لمسلم من طريق عمرة عن عائشة: «فإذا أراد أن يركع قام فقرأ قدر ما يقرأ إنسان أربعين آية».
و قد روى مسلم من طريق عبد اللَّه بن شقيق عن عائشة في صفة تطوعه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و فيه: «و كان إذا قرأ و هو قائم ركع و سجد و هو قائم، و إذا قرأ قاعدا ركع و سجد و هو قاعد». و هذا محمول على حالته الأولى قبل أن يدخل في السنّ جمعا بين الحديثين. (المرجع السابق): ٧٥٢.