إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣١٧ - فصل في ذكر اجتهاد رسول اللَّه
و له من حديث أبي عيينة، أخبرنا زياد أنه سمع المغيرة يقول: قام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، قال:
أ فلا أكون عبدا شكورا؟ [١].
و خرّج قاسم بن أصبغ من حديث سفيان عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): جعلت قرة عيني الصلاة [٢]، و كان يصلي حتى ترم قدماه، قال: فقيل له يا رسول اللَّه! أ ليس قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: أ فلا أكون عبدا شكورا؟
و له من حديث شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: تفعل هذا و قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: أ فلا أكون عبدا شكورا؟
و خرّج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أن عليا قال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما أصبح ببدر من الغد أحيا تلك الليلة كلها و هو مسافر [٣].
[ ()] و فيه: مشروعية الصلاة للشكر، و فيه أن الشكر يكون بالعمل، كما يكون باللسان، كما قال تعالى:
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً و قال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد اللَّه خوفا من الذنوب و طلبا للمغفرة و الرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة و هو الشكر على المغفرة، و إيصال النّعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك.
و الشكر: الاعتراف بالنعمة و القيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمّي شكورا، و من ثم قال سبحانه و تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و فيه: ما كان عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من الاجتهاد في العبادة، و الخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدّة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة اللَّه تعالى عليهم، و أنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوقه أعظم من أن يقوم بها العباد. و طرفه في الحديث رقم (٦٤٧١).
[١]
(المرجع السابق): ج ٨ ص ٧٥١ حديث رقم (٤٨٣٦): «حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة،
حدثنا زياد أنه سمع المغيرة يقول: «قام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، قال: أ فلا أكون عبدا شكورا».
[٢] (البداية و النهاية): ج ٦ ص ٣٠، (كنز العمال): ج ٧ ص ٢٨٦ حديث رقم (١٨٩١٢)، الطبراني عن أنس.
[٣] (الإحسان): ج ١١ ص ٧٣، حديث رقم (٤٧٥٩)، إسناده حسن، رجاله رجال الشيخين،