إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٨٢ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
المحسوسات لا يزدحم عليها في الوقت الواحد، ثم يؤديه الحس المشترك إلى الخيال، و هو قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجة فقط، و آلة هاتين القوتين في تصرفهما: البطن الأول من الدماغ مقدمه للأولى و مؤخره للثانية، ثم يرتقي الخيال إلى الوهمية و الحافظة، فالوهمية لإدراك المعاني المتعلقة بالشخصيات، كعداوة زيد، و صداقة عمرو، و رحمة الأب، و افتراس الذئب، و الحافظة لإيداع المدركات كلها متخلية، و هي لها كالخزانة تحفظها إلى وقت الحاجة إليها، و آلة هاتين القوتين في تصرفهما: البطن المؤخر من الدماغ أوله للأولى و مؤخره للأخرى ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر و آلته البطن الأوسط من الدماغ، و هو القوة التي تقع بها حركة الرؤية و التوجه نحو التعقل، فتحرك النفس بها دائما بما ركب فيها من النزوع إلى ذلك لتخلص من درك القوة و الاستعداد الّذي للبشرية، و تخرج إلى الفعل في خلقها متشبهة بالملإ الأعلى الروحانيّ، و تعتبر في أول مراتب الروحانيات في إداركها بغير الآلات الجسمانية، فهي متحركة دائما و متوجهة نحو ذلك، و قد تنسلخ بالكلية من البشرية و روحانيتها إلى الملائكية من الأفق الأعلى من غير اكتساب بما جعل اللَّه تعالى فيها من الجبلة و الفطرة الأولى في ذلك.
و اعلم أن النفوس البشرية في ذلك على ثلاثة أصناف: صنف عاجز بالطبع عن الوصول إلى الإدراك الروحانيّ، فيقنع بالحركة السفلى نحو المدارك الحسية و الخيالية، و تركيب المعاني من الحافظة و الوهمية على قوانين محصورة و ترتيب خاص، يستفيدون به العلوم التصورية و التصديقية التي للفكر في البدن، و كلّها خيالي منحصر نطاقه، إذ هو من جهة مبدئية ينتهى إلى الأوليات و لا يتجاوزها، و إن فسدت فسد ما بعدها، و هذا هو [أغلب] [١] نطاق الإدراك البشري الجسماني، و إليه ينتهي مدارك العلماء،؟ و فيه؟ ترسخ أقدامهم.
و صنف متوجه بتلك الحركة الفكرية نحو التعقل الروحانيّ و الإدراك الّذي لا يفتقر إلى آلات البدن بما جعل فيه من الاستعداد لذلك، فيتّسع نطاق إدراكه عن الأوليات التي هي نطاق الإدراك الأول البشري، و يسرح في فضاء المشاهدات
[١] في (خ): «الأغلب».