إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٦٢ - فصل في ذكر ما كان رسول اللَّه
تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ [١] و ثانيها: قوله تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [٢] أمره أن يقتدي بهداهم، و ثالثها: قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [٣]، و رابعها: قوله تعالى:
أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [٤]، و خامسها: قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [٥].
و الجواب عن الأول يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ: لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأن جميع النبيين لم يحكموا بجميع ما في التوراة، ذلك معلوم بالضرورة، فوجب إما تخصيص الحكم و هو أن كل النبيين حكموا ببعضه و ذلك لا يضرنا، فإن نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) حكم بما فيه من معرفة اللَّه تعالى و ملائكته و كتبه و رسله، أو تخصيص النبيين و هو أن بعض النبيين حكموا بكل ما فيه و ذلك لا يضرنا.
و عن الثاني أنه تعالى أمر بأن [٦] يهتدي بهدي مضاف إلى كلهم، و هداهم الّذي اتفقوا عليه هو الأصول دون ما وقع عليه النسخ.
و عن الثالث: أنه يقتضي تشبيه الوحي بالوحي، لا تشبيه الوحي بالموحى به.
و عن الرابع: أن المسألة محمولة على الأصول دون الفروع، و يدل عليه أمور، أحدها: أنه يقال: ملة الشافعيّ و أبي حنيفة واحدة و إن كان مذهبهما في كثير الشرعيات مختلفا، و ثانيهما: قوله تعالى بعد هذه الآية: وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٧]. و ثالثها: أن شريعة إبراهيم (عليه السلام) قد اندرست.
و عن الخامس: أن الآية تقتضي أنه وصى محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بالذي وصى به نوحا من أن يقيموا الدين و لا يتفرقوا فيه، و أمرهما بإقامة الدين لا يدل على اتفاق دينهما، كما أن أمر الاثنين بأن يقوما بحقوق اللَّه تعالى يدل على أن الحق على أحدهما مثل الحق على الآخر، و على أن الآية تدل على أنه تعبّد محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بما وصى به نوحا (عليه السلام)، و اللَّه أعلم.
و قال الحافظ الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم: و أما شريعة
[١] المائدة: ٤٤.
[٢] الأنعام: ٩٠.
[٣] النساء: ١٦٣.
[٤] النحل: ١٢٣.
[٥] الشورى: ١٣.
[٦] في (خ) «بأن أن».
[٧] البقرة: ١٣٥.