إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٦١ - فصل في ذكر ما كان رسول اللَّه
رجوعه إليها رجوع مثبت الشرع بها، و الدليل عليه أمور، أحدها: أنه لم يرجع إليها في غير الرجم، و ثانيها: أن التوراة محرفة عنده، فكيف يعتمد عليها؟ و ثالثها: أن من أخبره بوجوب الرجم في التوراة لم يكن ممن يقع العلم بخبره، فثبت أن رجوعه إليها كان ليقرر عليهم أن ذلك الحكم أنه ثابت في شرعه فهو أيضا ثابت في شرعهم، و أنهم أنكروه كذبا و عنادا.
الحجة الثانية أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) لو كان متعبدا بشرع من قبله لوجب على علماء الأمصار أن يرجعوا في الوقائع إلى شرع من قبله ضرورة أن التأسي به واجب، و حيث [أنهم] [١] لم يفعلوا ذلك علمنا بطلان ذلك.
الحجة الثالثة: أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) صوّب معاذا على حكمه باجتهاده إذا عدم حكم الحادثة من الكتاب و السنة، و لو كان متعبدا بحكم التوراة كما تعبد بحكم الكتاب لم يكن له العمل باجتهاد نفسه حتى ينظر في التوراة و الإنجيل، فإن قلت: أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يصوب معاذا في العمل باجتهاده إلا إذا عدمه من الكتاب- و التوراة كتاب- و لأنه إنما لم يذكر التوراة لأن في القرآن آيات تدل على الرجوع إليها، كما أنه لم يذكر الإجماع لهذا السبب، قلنا: الجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أنه لا يفهم من إطلاق الكتاب إلا القرآن، فلا يحمل على غيره إلا بدليل. الثاني: أنه لم يعهد من معاذ قط تعليم التوراة و الإنجيل بتمييز المحرف منهما عن غيره كما عهد منه تعلم القرآن، و به ظهر الجواب عن الثاني.
الحجة الرابعة: لو كانت تلك الكتب حجة علينا لكان حفظها من فروض الكفايات كما في القرآن و الأخبار، و لرجعوا إليها في مواقع اختلافهم حين أشكل عليهم: كمسألة العول و ميراث الجد و المفوضة، و بيع أم الولد و حد الشرب، و الربا في غير النسيئة، و دية الجنين، و الردّ بالعيب بعد الوطء، و التقاء الختانين و غير ذلك من الأحكام. و لما لم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم و كثرة وقائعهم، و اختلافهم مراجعة التوراة، سيما و قد أسلم من أحبارهم من تقوم الحجة بقولهم، كعبد اللَّه بن سلام و كعب [الأحبار] و وهب، و غيرهم. و لا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب، و كيف يحصل اليأس قبل العلم؟ احتجوا بأمور أحدها: قوله
[١] زيادة للسياق.