إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٦٩ - فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه
[ ()] و يذكر حمزة بن العباس العلويّ أنّ أصحاب الحديث قد قالوا: بقي أبو نعيم فترة طويلة من الزمن و هو لا نظير له أبدا، فقال: كان أصحاب الحديث يقولون: بقي الحافظ أبو نعيم أربع عشر سنة بلا نظير لا يوجد شرقا و لا غربا أعلى إسنادا منه، و لا أحفظ منه.
و هكذا نجد أن المحدثين جميعا قد اتفقوا على أن أبا نعيم كان محدث عصره، و أنه لم يكن له نظير في كثرة ما يحفظ، و لا في علو الإسناد، و الإسناد العالي: هو الّذي قلّ عدد رجاله مع سلامتهم من الضعيف، و هو على خمسة أقسام: [١] قربه من الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم)، [٢] قربه من إمام من أئمة الحديث، [٣] العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين، أو أحدهما، أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة، [٤] العلو المستفاد من تقدم وفاة الراويّ، [٥] العلو المستفاد من تقدم السماع.
و حيازة محدث الأسانيد العالية، ميزة ترجحه على غيره من المحدثين، فالمحدثون يتحرون الأسانيد العالية، و يرحلون في طلبها، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه: «طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف»، و ذلك لأن العلوّ يبعد الإسناد عن الخلل، لأن كل رجل من رجال السند يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو عمدا، ففي قلتهم قلتهم قلة جهات الخلل، و في كثرتهم كثرة جهات الخلل، و لهذا رجح الحافظ أبو نعيم على غيره من محدثي عصره، فهو يحدث بأسانيد عالية لم تجتمع لأحد غيره من محدثي عصره.
و قد أخذ أبو نعيم العلم من مسند أصبهان المعمّر أبي محمد بن فارس، و أبي أحمد العسّال، و أحمد بن محمد القصّار، و أبي بحر بن كوثر، و أبي القاسم الطبراني، و إبراهيم بن عبد اللَّه بن أبي العزائم الكوفي، و غيرهم كثير فأكثر و أجاد. قال الحافظ الذّهبي: «و تهيّأ له من لقيا الكبار ما لم يقع لحافظ».
و قد أخذ العلم من أبي نعيم خلق كثير، منهم: الخطيب البغدادي، و أبو صالح المؤذن، و أبو بكر محمد ابن إبراهيم العطار، و غيرهم كثير، حتى قال علي بن المفضل الحافظ: قد جمع شيخنا السلفي أخبار أبي نعيم، فسمي نحوا من ثمانين نفسا حدثوا عنه.
و مما أخذه العلماء على أبي نعيم، أنه كان يخلط المسموع له بالمجاز، و لا يوضح أحدهما من الآخر، و أجاب الحافظ الذهبي عن هذه الدعوى و قال: ربما فعله نادرا. و من هذه المآخذ: روايته الأحاديث الموضوعة دون التنبيه إليها في كثير من الأحيان، حتى قال في ميزان الاعتدال: هو عندي مقبول، لا أعلم له ذنبا أكبر من روايته الموضوعات ساكتا عنها، و هذه كبيرة من أبي نعيم لأن من كان مثله لا ينبغي له أن يروي شيئا من هذه الموضوعات دون التنبيه عليها، و لكن ذلك لا يقدح في عدالته و إمامته، و لعل أبا نعيم كان يكتفي بذكر السند عن التنبيه عليها.
و قد أحسن أبو نعيم التصنيف، و لهذا فقد عدّه ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوريّ، المتوفى سنة [٦٤٣ ه] في مقدمته واحدا من سبعة من الذين أحسنوا التأليف، و عظمت الاستفادة من مصنفاتهم، فقال: «سبعة من الحفاظ في ساقتهم أحسنوا التصنيف، و عظم الانتفاع بتصانيفهم في عصرنا، منهم أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني الحافظ».
و من أشهر مؤلفات أبي نعيم: [١] حلية الأولياء و طبقات الأصفياء، و قد طبع كتاب الحلية في عشر مجلدات، و قد حاز إعجاب العلماء في حسن تصنيفه، و غزارة مادته، فقال عنه ابن خلكان: «كتاب الحلية من أحسن الكتب»، و قال عنه ابن كثير: «من كتب أبي نعيم الحلية، دلّ على رواية أبي نعيم،