إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ١٧٨ - فصل جامع في صفة رسول اللَّه
بأشداقه، و يتكلم بجوامع الملك، فصلا لا فضول و لا تقصير، دمثا، ليس بالمجافي و لا المهين، يعظم النعمة و إن دقّت، و لا يذم منها شيئا، غير أنه لم يكن يذم ذواقا [١]، و لا يمدحه، و لا تغضبه الدنيا و لا ما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد و لم يكن يغضبه شيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسة و لا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها: و إذا تعجب قلبها، و إذا تحدث اتصل بها، فيضرب بباطن راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، و إذا غضب أعرض و أشاح، و إذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حبّ الغمام.
قال الحسن: فكتمها الحسين زمانا ثم حدثنيه فوجدته قد سبقني إليه. فسأله عما سألته. فوجدته قد سأل (يعني عليا) رضي اللَّه عنه عن مدخله و مخرجه، و شكله فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين (عليه السلام) سألت أبا هريرة عن دخول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء، جزءا للَّه عزّ و جلّ، و جزءا لأهله، و جزءا لنفسه، ثم جزءا جزأة بينه و بين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة و لا يدخر عنهم شيئا.
و كان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه و قسمه [٢] على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، و منهم ذو الحاجتين، و منهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم و يشغلهم فيما أصلحهم و الأمة من مسألته عنهم، و إخبارهم بالذي ينبغي لهم. و يقول: ليبلغ الشاهد الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبّت اللَّه قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، و لا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روادا و لا يفترقون إلا عن ذواق، و يخرجون أدلة (يعني فقهاء) [٣].
قال: و سألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخزن لسانه [٤] إلا فيما [٥] يعينهم و يؤلفهم و لا ينفرهم، و يكرم كريم كل قوم و يوليه
[١] الذواق (بفتح الذال و تخفيف الواو) المأكول و المشروب.
[٢] في (خ) «و قسمته» و ما أثبتناه من (صفة الصفوة) ج ١ ص ١٥٨.
[٣] كذا في (خ)، و في المرجع السابق «يعني على الخير».
[٤] في (خ) «يحزن»، و ما أثبتناه من المرجع السابق.
[٥] في (خ) «مما»، و ما أثبتناه من المرجع السابق.