إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٢٧١ - و أمّا تبسّمه
(عليه السلام) الأعرابيّ و قال: شأنكم بها، فأكلوها، فكان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا ذكر صنعه ضحك حتى تبدو نواجذه.
و قال زائدة عن أبان عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد اللَّه قال: ما حجبني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) منذ أسلمت، و لا رآني إلا ضحك [١].
و في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حكى عن رجل أخرج من النار فقيل له:
تمنّ، فتمنى، فيقال له: ما تمنيت و عشرة أضعاف الدنيا، فيقول أ تسخر بي و أنت الملك؟
فضحك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه [٢].
و لابن حبان من حديث الليث عن جرير بن حازم عن الحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه قال: لما بعثني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى اليمن، أتاني ثلاثة نفر يختصمون في غلام ابن امرأة وقعوا عليها جميعا في طهر واحد!! كلهم يدعى أنه ابنه، فأقرعت بينهم، فألحقته بالذي أصابته القرعة، و لصاحبيه مثلي دية الحد، فلما قدمت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذكرت له ذلك فضحك حتى ضرب برجليه الأرض ثم قال: حكمت فيهم بحكم
[١] رواه (البخاري) ج ٤ ص ٦٤ و لفظه: «ما حجبني النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) منذ أسلمت و لا رآني إلا تبسم في وجهي ...».
[٢]
(مسند أحمد) ج ١ ص ٣٧٩، و لفظه: «قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب يدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، قال: فيرجع فيقول: قد أخذ الناس المنازل، قال: فيقال له: أ تذكر الزمان الّذي كنت فيه؟ قال: فيقول: نعم، فيقال له: تمنه، فيتمنى، فيقال: إن لك الّذي تمنيت و عشرة أضعاف الدنيا، قال: فيقول: أ تسخر بي و أنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ضحك حتى بدت نواجذه».
و رواه (مسلم) بلفظ آخر و زاد فيه «قال: فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة» (مسلم بشرح النووي) ج ٢ ص ٤٠،
و أما معنى «أ تسخر بي» هنا ففيه أقوال أشهرها ما قاله القاضي عياض:
أن يكون هذا الكلام صدر من هذا الرجل و هو غير ضابط لما قاله لما ناله من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله، فلم يضبط لسانه دهشا و فرحا، فقال و هو لا يعتقد حقيقة معناه، و جرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوقين، و هذا كما
قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في الرجل الآخر: أنه لم يضبط نفسه من الفرح فقال: أنت عبدي و أنا ربك،
و اللَّه أعلم.
و المراد بالنواجذ هنا الأنياب، و قيل المراد بها الضواحك، و قيل المراد بها الأضراس، و هذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة، و لكن الصواب عند الجمهور ما قدمناه، و في هذا جواز الضحك و أنه ليس بمكروه في بعض المواطن و لا بمسقط للمروءة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال، و اللَّه أعلم.