الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٧ - أساس البرّ
نحو الشرق و اليهود نحو الغرب، و قرر اللّه الكعبة قبلة للمسلمين، و كانت في اتجاه الجنوب وسطا بين الاتجاهين.
و مرّ بنا الحديث عن الضّجة التي أثيرت بين اعداء الإسلام و المسلمين الجدد بشأن تغيير القبلة.
الآية أعلاه تخاطب هؤلاء و تقول: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ.
«البر» في الأصل التوسّع، ثم أطلق على أنواع الإحسان، لأن الإنسان بالإحسان يخرج من إطار ذاته ليتسع و يصل عطاؤه إلى الآخرين.
و «البرّ» بفتح الباء، فاعل البرّ، و هي في الأصل الصحراء و المكان الفسيح، و أطلقت على المحسن بنفس اللحاظ السابق.
ثمّ يبين القرآن أهم أصول البرّ و الإحسان و هي ستة، فيقول: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ.
هذا هو الأساس الأوّل: الإيمان بالمبدأ، و المعاد، و الملائكة المأمورين من قبل اللّه، و المنهج الإلهي، و النبيّين الدعاة إلى هذا المنهج. و الإيمان بهذه الأمور يضيء وجود الإنسان، و يخلق فيه الدافع القوي للحركة على طريق البناء و الأعمال الصالحة.
جدير بالذكر أن الآية تقول: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ... و لم تقل و لكن البرّ بفتح الباء، أو البار بصيغة اسم الفاعل. أي أن الآية استعملت المصدر بدل الوصف، و هذا يفيد بيان أعلى درجات التأكيد في اللغة العربية. فحين يقول أحد: علي عليه السّلام هو العدل في عالم الإنسانية. فهو يقصد أنه عادل للغاية و أن العدالة قد ملأت وجوده بحيث أن من يراه فكأنما لا يرى سوى العدالة متجسدة. و حين يقول: بني أمية ذلّ الإسلام، فيعني أن كل وجودهم ذلّ للإسلام.