الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٣ - ١- ما هو لقاء اللّه؟
كلمة «يظنّون» من مادة «ظنّ» و قد تأتي بمعنى اليقين [١]. و في هذا الموضع تعني الإيمان و اليقين القطعي. لأن الإيمان بلقاء اللّه و الرجوع إليه، يحيي في قلب الإنسان حالة الخشوع و الخشية و الإحساس بالمسؤولية، و هذا أحد آثار تربية الإنسان على الإيمان بالمعاد، حيث تجعل هذه التربية الفرد مائلا دوما أمام مشهد المحكمة الكبرى، و تدفعه إلى النهوض بالمسؤولية و إلى الحق و العدل.
و يحتمل أن يكون استعمال «الظن» في الآية للتأكيد، أي أن الإنسان لو ظنّ بالآخرة فقط، فظنه كاف لأن يصده عن ارتكاب أي ذنب. و هو تقريع لعلماء اليهود و تأكيد على أنهم لا يمتلكون إيمانا باليوم الآخر حتى على مستوى الظن، فلو ظنوا بالآخرة لأحسّوا بالمسؤولية، و كفّوا عن هذه التحريفات! [٢]
بحثان
١- ما هو لقاء اللّه؟
عبارة «لقاء اللّه» وردت مرارا في القرآن الكريم، و تعني بأجمعها الحضور على مسرح القيامة. من البديهي أن المقصود بلقاء اللّه ليس هو اللقاء الحسّي، كلقاء أفراد البشر مع بعضهم، لأن اللّه ليس بجسم، و لا يحده مكان، و لا يرى بالعين. بل المقصود مشاهدة آثار قدرة اللّه و جزاءه و عقابه و نعمه و عذابه على ساحة القيامة، كما ذهب إلى ذلك جمع من المفسرين.
أو إن المقصود الشهود الباطني و القلبي، لأن الإنسان يصل درجة كأنه يرى
[١]- يقول الراغب في المفردات: الظن اسم لما يحصل عن أمارة متى قويت أدّت إلى العلم، و متى ضعفت جدا لم يتجاوز حدّ التوهم.
[٢]- المنار، ج ١، ص ٣٠٢، و الميزان، ج ١، ص ١٥٤. و تفسير روح المعاني، ج ١، ص ٢٢٨. و في آيات اخرى إشارة إلى هذا المعنى كقوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً (الكهف، ١٠).