الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٢ - التّفسير
تَعْقِلُونَ؟! منهج الدعاة إلى اللّه يقول على أساس العمل أوّلا ثم القول. فالدّاعية إلى اللّه يبلّغ بعمله قبل قوله، كما
جاء في الحديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام: كونوا دعاة الناس بأعمالكم و لا تكونوا دعاة بألسنتكم [١].
التأثير العميق للدعوة العملية يأتي من قدرة مثل هذه الدعوة على فتح منافذ قلب السامع، فالسامع يثق بما يقوله الداعية العامل، و يرى أن هذا الداعية مؤمن بما يقول و أن ما يقوله صادر عن القلب. و الكلام الصادر عن القلب ينفذ إلى القلب.
و أفضل دليل على إيمان القائل بما يقوله، هو العمل بقوله قبل غيره، كما
يقول علي عليه السّلام: «أيّها النّاس إنّي و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلّا و أسبقكم إليها، و لا أنهاكم عن معصية إلّا و أتناهى قبلكم عنها» [٢].
و في حديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام: «من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة من وصف عدلا و عمل بغيره» [٣].
علماء اليهود كانوا يخشون من انهيار مراكز قدرتهم و تفرّق عامة النّاس عنهم، إن اعترفوا برسالة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و لذلك حرّفوا ما ورد بشأن صفات نبي الإسلام في التوراة.
و القرآن يحث على الاستعانة بالصبر و الصّلاة للتغلب على الأهواء الشخصية و الميول النفسية، فيقول في الآية التالية: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ ثم يؤكد أن هذه الاستعانة ثقيلة لا ينهض بعبئها إلا الخاشعون: وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ.
و في الآية الأخيرة من هذه المجموعة وصف للخاشعين: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ.
[١]- سفينة البحار، مادة «عمل».
[٢]- نهج البلاغة، الخطبة ١٧٥.
[٣]- تفسير نور الثقلين، ج ١، ص ٦٤.