الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٧ - ذنب عظيم و توبة فريدة
و «الباري» هو الخالق، و في الكلمة إشارة إلى أن هذا الأمر الإلهي بالتوبة الشديدة صادر عمّن خلقكم، و عمّن هو أعرف بما يضرّكم و ينفعكم.
ذنب عظيم و توبة فريدة
لا شك أن عبادة عجل السامري لم تكن مسألة هينة، لأن بني إسرائيل شاهدوا ما شاهدوا من آيات اللّه و معجزات نبيّهم موسى عليه السّلام، ثم نسوا ذلك دفعة، و خلال فترة قصيرة من غياب النّبي انحرفوا تماما عن مبدأ التوحيد و عن الدين الإلهي.
كان لا بدّ من اقتلاع جذور هذه الظاهرة الخطرة، كي لا تعود إلى الظهور ثانية خاصة بعد وفاة صاحب الرسالة.
و من هنا كانت الأوامر الإلهية بالتوبة شديدة لم يسبق لها نظير في تاريخ الأنبياء، و تقضي هذه الأوامر أن تقترن التوبة بإعدام جماعي لعدد كبير من المذنبين، على أيديهم أنفسهم.
طريقة تنفيذ هذا الإعدام لا تقل شدة عن الإعدام نفسه، فقد صدرت الأوامر الإلهية أن يقتل المذنبون بعضهم بعضا، و في ذلك عذابان للمذنب: عذاب قتل الأصدقاء و المعارف على يديه، و ما ينزل به- هو نفسه- من عذاب القتل.
و جاء في الأخبار أن موسى أمر في ليلة ظلماء كل الجانحين إلى عبادة العجل، أن يغتسلوا و يرتدوا الأكفان و يعملوا السيف بعضهم في البعض الاخر.
و لعلك تسأل عن السبب في قساوة هذه التوبة و لماذا لم يقبل اللّه تعالى منهم التوبة دون إراقة للدماء؟
الجواب: إن السبب في شدّة هذا الحكم- كما ذكرنا- يعود إلى عظمة الذنب الذي ارتكبوه بعد كل ما شاهدوه من آيات و معاجز، و إلى أن هذا الذنب يهدّد وجود الدعوة و مستقبلها لإن اصول و مبادئ جميع الأديان السماوية يمكن