الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٤ - إدانة كتمان الحقّ مرّة اخرى
المنزلة التي نالها أنبياء اللّه في الدنيا، و سيلتذون بما التذ به الأنبياء من تكليم إلهي ... و أية لذة أعظم من هذه اللذة؟! أضف إلى ذلك إن اللّه ينظر إليهم بعين لطفه، و يطهرهم بماء عفوه و رحمته، و أية نعمة أعظم من هذه النعمة؟! بديهي أن تكليم اللّه عباده لا يعني أن اللّه له جسم و لسان، بل إنه بقدرته الواسعة يخلق في الفضاء أمواجا صوتية خاصة قابلة للسمع و الإدراك، (كما كلّم اللّه موسى عند جبل الطور)، أو أنه يتكلم مع خاصة عباده بلسان القلب عن طريق الإلهام.
على أية حال، هذا اللطف الإلهي الكبير، و هذه اللذة المعنوية المنقطعة النظير، للعباد المخلصين الذين ينطقون بالحق و يعرّفون النّاس بالحقائق، و يلتزمون بعهودهم و مواثيقهم، و لا يضحون برسالتهم من أجل مصالحهم المادية.
و قد يسأل سائل عن تكليم اللّه المجرمين يوم القيامة، استنادا الى ما ورد في الآيات كقوله تعالى: قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ [١]. و هذا جواب من اللّه لأولئك الذين يطلبون الخروج من النار. و مثل هذا الحوار نجده في الآيتين ٣٠ و ٣١ من سورة الجاثية.
و الجواب: أن المقصود من التكليم في آيات بحثنا، هو تكليم عن لطف و حبّ و احترام، لا عن تحقير و طرد و عقوبة فذلك من أشدّ الجزاء.
من الواضح أن عبارة يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا لا تعني السماح بأن يشتروا به ثمنا باهظا، فالمقصود أن الثمن المادّي مهما زاد فهو تافه لا قيمة له أمام كتمان الحقّ، حتى و لو كان الثمن الدنيا و ما فيها.
الآية التالية تحدد وضع هذه المجموعة و تبين نتيجة صفقتها الخاسرة و تقول:
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ.
[١]- المؤمنون، ١٠٨.