الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٦ - حجج اخرى
لو أن هؤلاء يستهدفون حقا إدراك الحقيقة، ففي هذه الآيات النازلة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم دلالة واضحة بينة على صدق أقواله، فما الداعي إلى نزول آية مستقلة على كل واحد من الأفراد؟! و ما معنى الإصرار على أن يكلمهم اللّه مباشرة؟! مثل هذا الطلب تذكره الآية ٥٢ من سورة المدثر: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً.
مثل هذا الطلب لا يمكن أن يتحقق، لأن تحققه- إضافة إلى عدم ضرورته- مخالف لحكمة الباري سبحانه، لما يلي:
أوّلا: إثبات صدق الأنبياء للناس كافة أمر ممكن عن طريق الآيات التي تنزل عليهم.
ثانيا: لا يمكن للآيات و المعاجز أن تنزل على أي فرد من الأفراد، فذلك يتطلب نوعا من اللياقة و الاستعداد و الطّهارة الرّوحية. فالأسلاك الكهربائية تتحمل من التيّار ما يتناسب مع ضخامتها. الأسلاك الرقيقة لا تتحمل التّيار العالي، و لا يمكن أن تتساوى بالأسلاك الضخمة القادرة على توصيل التّيارات العالية.
و المهندس يفرّق بين الأسلاك التي تستقبل التّيارات العالية من المولدات مباشرة، و الأسلاك التي تنقل التيّار الواطئ داخل البيوت.
الآية التالية تخاطب النّبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و تبين موقفه من الطلبات المذكورة و تقول:
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً.
فمسؤولية الرّسول بيان الأحكام الإلهية، و تقديم المعاجز، و توضيح الحقائق، و هذه الدعوة ينبغي أن تقترن بتبشير المهتدين و إنذار العاصين و هذه مسئوليتك أيّها الرّسول، و أما الفئة التي لا تذعن للحق بعد كل هذه الآيات فأنت غير مسئول عنها: وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ.