الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٣ - إدانة كتمان الحقّ مرّة اخرى
كانت تخاطب أحبار اليهود- لها مفهوم عام، لا يقتصر- كما ذكرنا مرارا- على سبب نزولها. فسبب النّزول- في الواقع- وسيلة لبيان الأحكام الكلية العامة، و مصداق من مصاديق الحكم الكلي للآية.
فكل الذين يكتمون أحكام اللّه و ما يحتاجه النّاس من حقائق طلبا للرّئاسة أو الثروة، قد ارتكبوا خيانة كبرى، و عليهم أن يعلموا أنهم باعوا حقيقة نفيسة بثمن بخس، و هي تجارة خاسرة.
الآية الاولى تقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ.
هذه الهدايا و العطايا التي ينالونها من هذا الطريق نيران محرقة تدخل بطونهم. هذا التعبير يوضح ضمنيا مسألة تجسيم الأعمال في الآخرة و تدل على أن الأموال المكتسبة عن هذا الطريق المحرّم، هي في الواقع نيران تدخل في بطونهم و ستتجسّم بشكل واقعي في الآخرة.
ثم تتعرض الآية إلى عقاب معنوي سينال هؤلاء أشدّ من العقاب المادي، و تقول: وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
و في موضع آخر ذكر القرآن مثل هذا اللون من العقاب لأولئك الذين ينكثون عهد اللّه من أجل مصالح تافهة، فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [١].
يستفاد من هذه الآية و الآية التالية أن واحدة من أعظم المواهب الإلهية في الآخرة أن يكلم اللّه المؤمنين تلطفا بهم. أي إن المؤمنين سينالون في الآخرة نفس المنزلة التي نالها أنبياء اللّه في الدنيا، و سيلتذون بما التذ به الأنبياء من تكليم إلهي
[١]- آل عمران، ٧٧.