الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٦ - بحوث
فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
هذا الإمر الإلهي نزل حيث كان المسلمون بحاجة إلى بناء المجتمع الإسلامي. و في تلك الظروف يوجب على المسلمين أن يلجأوا إلى سلاح العفو و الصفح حتى يأتي اللّه بأمره.
كثير من المفسرين قالوا إن «أمر اللّه» في هذه الآية يعني «أمر الجهاد»، و لعل الجماعة المسلمة لم تكن على استعداد شامل لخوض معركة دامية حين نزلت هذه الآية، و لذلك قيل إن آيات الجهاد نسخت هذه الآية.
و لعل التعبير بالنسخ في هذا الموضع ليس بصحيح، لأن الآية تحمل في عبارتها الإطار الذي يحدّها بفترة زمنية محدودة.
الآية التالية تأمر المسلمين بحكمين هامّين: إقامة الصلاة باعتبارها رمز ارتباط الإنسان باللّه، و إيتاء الزكاة و هي أيضا رمز التكافل بين أبناء الامّة المسلمة، و كلاهما ضروريان لتحقيق الإنتصار على العدو: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ.
ثم تؤكّد الآية على خلود العمل الصالح و بقائه: وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ. و اللّه سبحانه عالم بالسرائر، و يعلم دوافع الأعمال، و لا يضيع عنده أجر العاملين إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
بحوث
١- «اصفحوا» من «صفح»، و صفح الشيء عرضه و جانبه كصفحة الوجه و صفحة السيف و صفحة الحجر، و الأمر بالصفح هو الأمر بالإعراض، لكنّ عطفها على «فاعفوا» يفهم أنه أمر بالإعراض لا عن جفاء، بل عن عفو و سماح.
و هذا التعبير يوحي أيضا أن المسلمين كانت لهم قدرة المقابلة و عدم الصفح،