الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٩ - ٣- هداية اللّه و إضلاله
٣- هداية اللّه و إضلاله:
ظاهر عبارة الآية المذكورة يوحي بأن الهداية و الضلال جبريان و مرتبطان بإرادة اللّه تعالى. بينما العبارة الأخيرة من الآية توضح أن الهداية و الضلال مترتبان على أعمال الإنسان نفسه.
و لمزيد من التوضيح نقول: إن أعمال الإنسان و تصرفاته لها نتائج و ثمار معيّنة. لو كان العمل صالحا فنتيجته مزيد من التوفيق و الهداية في السير نحو اللّه و مزيد من أداء الأعمال الصالحة. يقول تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [١].
و إن جنح الإنسان نحو المنكرات، فان الظلمات تتراكم على قلبه، و يزداد نهما لارتكاب المحرمات، و قد يبلغ به الأمر إلى أن ينكر خالقه، قال تعالى: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ [٢]. و قال أيضا: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [٣].
و الآية التي يدور حولها بحثنا شاهد آخر على ذلك حيث يقول تعالى: وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.
ممّا تقدم يتضح أن الإنسان حرّ في انتخاب الطريق في بداية الأمر، و هذه حقيقة يقبلها ضمير كل إنسان، ثم على الإنسان بعد ذلك أن ينتظر النتائج الحتمية لأعماله.
بعبارة موجزة: الهداية و الضلالة- في المفهوم القرآني- لا يعنيان الإجبار على انتخاب الطريق الصحيح أو الخاطئ، بل إن الهداية- المفهومة من الآيات المتعدّدة- تعني توفّر سبل السعادة، و الإضلال: يعني زوال الأرضية المساعدة للهداية، دون أن يكون هناك إجبار في المسألة.
[١]- الأنفال، ٢٩.
[٢]- الروم، ١٠.
[٣]- الصف، ٥.