الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٨ - ٢- لماذا التمثيل بالبعوضة؟
الخلقة و عظيم الصنع و الدّقة ما يحيّر العقول و الألباب.
يقول الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام بشأن خلقة هذا الحيوان الصغير:
«إنّما ضرب اللّه المثل بالبعوضة لأنّ البعوضة على صغر حجمها خلق اللّه فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره و زيادة عضوين آخرين فأراد اللّه سبحانه أن ينبّه بذلك المؤمنين على لطف (لطيف) خلقه و عجيب صنعته» [١].
يريد اللّه سبحانه بهذا المثال أن يبين للمؤمنين دقّة الصنع في الخلق، التفكير في هذا الموجود الضعيف على الظاهر، و الشبيه بالفيل في الواقع، يبيّن للإنسان عظمة الخالق.
خرطوم هذا الحيوان الصغير يشبه خرطوم الفيل، أجوف، ذو فتحة دقيقة جدا، و له قوّة ماصة تسحب الدم.
منح اللّه هذا الحيوان قوة هضم و تمثيل و دفع، كما منحه أطرافا و أذنا و أجنحة تتناسب تماما مع وضع معيشته. هذه الحشرة تتمتع بحساسية تشعر فيها بالخطر بسرعة فائقة و تفرّ عند ما يداهمها عدوّ بمهارة عجيبة، و هي مع صغرها و ضعفها يعجز عن دفعها كبار الحيوانات.
أمير المؤمنين علي عليه السّلام يقول في هذا الصدد: «كيف و لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها و بهائمها و ما كان من مرحها و سائمها، و أصناف أسناخها و أجناسها، و متبلدة أممها و أكياسها، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، و لا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها، و لتحيّرت عقولها في علم ذلك و تاهت، و عجزت قواها و تناهت، و رجعت خاسئة حسيرة، عارفة بأنّها مقهورة، مقرّة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضّعف عن إفنائها» [٢].
[١]- تفسير البرهان، ج ١، ص ٧٢.
[٢]- نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، الخطبة ١٨٦، ص ٢٧٥.