الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - ١- الحياة الجديدة بعد التحرر
مجموعة من التائهين ندمت على ما فعلته أشد الندم، و تضرعت إلى اللّه، فشمل اللّه سبحانه بني إسرائيل ثانية برحمته، و أنزل عليهم نعمه التي تشير الآية إلى بعضها: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ.
و الظّل له أهمية الكبرى لمن يطوي الصحراء طيلة النهار و تحت حرارة الشمس اللّافحة، خاصة أن مثل هذا الظّل لا يضيّق الفضاء على الإنسان و لا يمنع عنه هبوب النسيم.
يبدو أن الغمام الذي تشير إليه الآية الكريمة، ليس من النوع العابر الذي يظهر عادة في سماء الصحراء، و لا يلبث أن يتفرق و يزول، بل هو من نوع خاص تفضل به اللّه على بني إسرائيل ليستظلوا به بالقدر الكافي.
و إضافة إلى الظل فانّ اللّه سبحانه و فّر لبني إسرائيل بعد تيههم الطعام الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه خلال أربعين عاما خلت من ضياعهم: وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى، كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ.
لكن هؤلاء عادوا إلى الكفران: وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. و سنشرح «المن» و «السلوى» في البحوث الآتية.
بحوث
١- الحياة الجديدة بعد التحرر:
الامّة التي تتحرر بعد عصر من الذّل و الاستضعاف و الاستعباد، لا تستطيع أن تتخلى تماما عن حالتها النفسية و الثقافية الموروثة عن عصر الطاغوت، و لا بدّ من فترة برزخية تمر بها كي تكون قادرة على إقامة حكم اللّه في الأرض، وفق معايير إلهية بعيدة عن مؤثرات عصر الطاغوت.
و سواء امتدت هذه الفترة البرزخية أربعين عاما كما حدث لبني إسرائيل، أو