الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٢ - تعصّب و تناقض
اليهود و النصارى، و رأينا أن هذه الادعاءات الفارغة تستتبعها روح احتكارية ضيقة، ثم وقوع في التناقضات.
تقول الآية: وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَ قالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ.
عبارة «ليست على شيء» تعني أن أفراد هذا الدين لا مكانة لهم و لا منزلة لدى اللّه سبحانه، أو تعني أن هذا الدين لا وزن له و لا قيمة.
ثم تضيف الآية: وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ.
أي إنّ هؤلاء لديهم الكتاب الذي يستطيع أن ينير لهم الطريق في هذه المسائل، و مع ذلك ينطلقون في أحكامهم من التعصب و اللجاج و العناد!! ثم تقول الآية: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.
و هذه الآية الكريمة تجعل أقوال هذه المجموعة من أهل الكتاب المتعصبين شبيهة بأقوال الجهلة من الوثنيين. بعبارة اخرى: هذه الآية تقرر أن المصدر الأساس للتعصب هو الجهل و البعد عن العلم، لأن الجاهل مطوّق بمحيطه المحدود، لا يقبل غيره، بل هو ملتصق بما ملأ ذهنه منذ صغره و إن كان خرافيا، و يرفض ما سواه.
ثم اختتمت الآية بالتأكيد على أن الحقائق إن خفيت في هذه الدنيا، فهي لا تخفى في الآخرة حيث تنكشف كل الأوراق: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
و هذه الآية فيها أيضا تثبيت للقلوب و طمأنة للنفوس، فهي تؤكد للمسلمين أن الطوائف التي تجهزت لمحاربتهم لا تتميز بالانسجام و الوحدة، بل إن مجاميعها يكفّر بعضهم بعضا، و الذي يجمع بينهم على الظاهر هو الجهل، و بالتالي التعصب الناشئ عن هذا الجهل.