الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٩ - ١- أسرار تغيير القبلة
الكعبة بها.
واضح مدى القلق و الاضطراب الذي تتركه هذه الوساوس على مجتمع لم يتغلغل نور العلم و الإيمان في كل زواياه، و لم يتخلص بعد تماما من رواسب الشرك و العصبية.
لذلك تصرّح الآية أعلاه أن تغيير القبلة اختبار كبير لتمييز المؤمنين من المشركين.
لا نستبعد أن يكون أحد أسباب تغيير القبلة ما يلي:
لما كانت الكعبة في بداية البعثة المباركة بيتا لأصنام المشركين، فقد أمر المسلمون مؤقتا بالصلاة تجاه بيت المقدس، ليتحقّق الانفصال التام بين الجبهة الإسلامية و جبهة المشركين.
و بعد الهجرة و إقامة الدولة الإسلامية و المجتمع الإسلامي، حدث الانفصال الكامل بين الجبهتين، و لم تعد هناك ضرورة لاستمرار وضع القبلة، حينئذ عاد المسلمون إلى الكعبة أقدم قاعدة توحيدية، و أعرق مركز للأنبياء.
و من الطبيعي أن يستثقل الصلاة نحو بيت المقدس لأولئك الذين كانوا يعتبرون الكعبة الرصيد المعنوي لقوميتهم، و أن يستثقلوا أيضا العودة إلى الكعبة بعد أن اعتادوا على قبلتهم الاولى (بيت المقدس).
المسلمون بهذا التحوّل وضعوا في بوتقة الاختبار، لتخليصهم ممّا علّق في نفوسهم من آثار الشرك، و لتنقطع كل انشداداتهم بماضيهم المشرك، و لتنمو في وجودهم روح التسليم المطلق أمام أوامر اللّه سبحانه.
إن اللّه سبحان ليس له مكان و محل- كما ذكرنا- و القبلة رمز لوحدة صفوف المسلمين و لإحياء ذكريات خط التوحيد، و تغييرها لا يغيّر شيئا، المهم هو الاستسلام الكامل أمام اللّه، و كسر أوثان التعصب و اللجاج و الأنانية في النفوس.