الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٧ - مثالان رائعان لوصف حالة المنافقين
و القرآن الكريم يفضح المنافقين لدى الكافرين أيضا، و يبيّن كذبهم و نكولهم إذ يقول: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً، وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ، وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [١].
جدير بالذكر أن القرآن استعمل عبارة اسْتَوْقَدَ ناراً أي إنهم استفادوا للإنارة من «النار» ذات الدخان و الرّماد و الحريق، بينما يستنير المؤمنون بنور الإيمان الخالص و بضوئه الساطع.
باطن المنافقين ينطوي على النار، و إن تظاهروا بنور الإيمان، و إذا كان ثمة نور فهو ضعيف في قوته و قصير في مدته.
هذا النور الضعيف المؤقّت، إمّا أن يكون إشارة إلى الضمير و الفطرة التوحيدية، أو إشارة إلى الإيمان الأوّلي لهؤلاء المنافقين حيث أسدلت عليه ستائر مظلمة على أثر التقليد الأعمى و التعصب المقيت و اللجاج و العداء، فتحولت ساحة حياتهم لا إلى ظلمة، بل إلى «ظلمات» في التعبير القرآني.
و هؤلاء سيفقدون في النهاية قدرة الرؤية الصحيحة، و الاستماع الصحيح، و النطق الصحيح، و هذه نتيجة طبيعية- كما ذكرنا سابقا- للاستمرار على الانحراف و الإصرار على الغيّ، حيث يؤدي إلى إضعاف آليات الإدراك لدى الإنسان فيرى الحقائق مقلوبة، فالخير في نظره شرّ، و الملك شيطان، و هكذا.
على أي حال هذا التشبيه يوضّح واحدة من حقائق النفاق، و هي إن عمر النفاق و التذبذب لا يدوم طويلا، قد يستطيع المنافقون لمدة قصيرة أن يتمتعوا بمصونية الإسلام و الإيمان، و بصداقة الكفار سرا. لكن هذه الحالة مثل شعلة
[١]- الحشر، ١١ و ١٢.