موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٥
|
يا دَهرُ افٍّ لَكَ مِن خَليلِ |
كَم لَكَ بِالإِشراقِ وَالأَصيلِ |
|
|
مِن صاحِبٍ أو طالِبٍ قَتيلِ |
وَالدَّهرُ لا يَقنَعُ بِالبَديلِ |
|
|
وإنَّمَا الأَمرُ إلَى الجَليلِ |
وكُلُّ حَيٍّ سالِكُ السَّبيلِ |
قالَ: فَأَعادَها مَرَّتَينِ أو ثَلاثاً حَتّى فَهِمتُها، فَعَرَفتُ ما أرادَ، فَخَنَقَتني عَبرَتي، فَرَدَدتُ دَمعي ولَزِمتُ السُّكونَ، فَعَلِمتُ أنَّ البَلاءَ قَد نَزَلَ، فَأَمّا عَمَّتي فَإِنَّها سَمِعَت ما سَمِعتُ، وهِيَ امرَأَةٌ، وفِي النِّساءِ الرِّقَّةُ وَالجَزَعُ، فَلَم تَملِك نَفسَها أن وَثَبَت تَجُرُّ ثَوبَها، وإنَّها لَحاسِرَةٌ حَتَّى انتَهَت إلَيهِ، فَقالَت: وَاثُكْلاه! لَيتَ المَوتَ أعدَمَنِي الحَياةَ! اليَومَ ماتَت فاطِمَةُ امّي وعَلِيٌّ أبي وحَسَنٌ أخي! يا خَليفَةَ الماضي وثِمالَ[١] الباقي.[٢]
قالَ: فَنَظَرَ إلَيهَا الحُسَينُ ٧ فَقالَ: يا اخَيَّةُ، لا يُذهِبَنَّ حِلمَكِ الشَّيطانُ.
قالَت: بِأَبي أنتَ وامّي يا أبا عَبدِ اللَّهِ، استَقتَلتَ نَفسي فِداكَ! فَرَدَّ غُصَّتَهُ، وتَرَقرَقَت عَيناهُ، وقالَ: لَو تُرِكَ القَطا لَيلًا لَنامَ،[٣] قالَت: يا وَيلَتى، أفَتُغصَبُ نَفسُكَ اغتِصاباً، فَذلِكَ أقرَحُ لِقَلبي، وأشَدُّ عَلى نَفسي! ولَطَمَت وَجهَها، وأهوَت إلى جَيبِها وشَقَّتهُ، وخَرَّت مَغشِيّاً عَلَيها.
فَقامَ إلَيهَا الحُسَينُ ٧، فَصَبَّ عَلى وَجهِهَا الماءَ، وقالَ لَها: يا اخَيَّةُ، اتَّقِي اللَّهَ وتَعَزَّي بِعَزاءِ اللَّهِ، وَاعلَمي أنَّ أهلَ الأَرضِ يَموتونَ، وأنَّ أهلَ السَّماءِ لا يَبقَونَ، وأنَّ كُلَّ شَيءٍ هالِكٌ إلّاوَجهَ اللَّهِ الَّذي خَلَقَ الأَرضَ بِقُدرَتِهِ، ويَبعَثُ الخَلقَ فَيَعودونَ، وهُوَ فَردٌ وَحدَهُ، أبي خَيرٌ مِنّي، وامّي خَيرٌ مِنّي، وأخي خَيرٌ مِنّي، ولي ولَهُم ولِكُلِّ مُسلِمٍ بِرَسولِ اللَّهِ اسوَةٌ.
قالَ: فَعَزّاها بِهذا ونَحوِهِ، وقالَ لَها: يا اخَيَّةُ، إنّي اقسِمُ عَلَيكِ فَأَبِرِّي قَسَمي،
[١]. الثِمالُ: الملجأ والغياث، وقيل: هو المُطعِم في الشِدّة( النهاية: ج ١ ص ٢٢٢« ثمل»).
[٢]. كذا فى المصدر، وفى الملهوف( ص ١٣٩): يا خليفة الماضين وثمال الباقين!
[٣]. هو مثل عربي رائج، ويراد منه هنا: إنّهم لا يتركونني هادئ البال، بل يلاحقونني أينما ذهبت.