موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٦٥
ضَربَتَينِ، فَضَرَبَ يَزيدُ بنُ مَعقِلٍ بُرَيرَ بنَ حُضَيرٍ ضَربَةً خَفيفَةً لَم تَضُرَّهُ شَيئاً، وضَرَبَهُ بُرَيرُ بنُ حُضَيرٍ ضَربَةً قَدَّتِ المِغفَرَ[١]، وبَلَغَتِ الدِّماغَ، فَخَرَّ كَأَنَّما هَوى مِن حالِقٍ، وإنَّ سَيفَ ابنِ حُضَيرٍ لَثابِتٌ في رَأسِهِ، فَكَأَنّي أنظُرُ إلَيهِ يُنَضنِضُهُ[٢] مِن رَأسِهِ.
وحَمَلَ عَلَيهِ رَضِيُّ بنُ مُنقِذٍ العَبدِيُّ فَاعتَنَقَ بُرَيراً، فَاعتَرَكا ساعَةً. ثُمَّ إنَّ بُرَيراً قَعَدَ عَلى صَدرِهِ، فَقالَ رَضِيٌّ: أينَ أهلُ المِصاعِ[٣] وَالدِّفاعِ؟ قالَ: فَذَهَبَ كَعبُ بنُ جابِرِ بنِ عَمرٍو الأَزدِيُّ لِيَحمِلَ عَلَيهِ، فَقُلتُ: إنَّ هذا بُرَيرُ بنُ حُضَيرٍ القارِئُ الَّذي كانَ يُقرِئُنَا القُرآنَ فِي المَسجِدِ، فَحَمَلَ عَلَيهِ بِالرُّمحِ حَتّى وَضَعَهُ في ظَهرِهِ، فَلَمّا وَجَدَ مَسَّ الرُّمحِ بَرَكَ عَلَيهِ فَعَضَّ بِوَجهِهِ، وقَطَعَ طَرَفَ أنفِهِ، فَطَعَنَهُ كَعبُ بنُ جابِرٍ حَتّى ألقاهُ عَنهُ، وقَد غَيَّبَ السِّنانَ في ظَهرِهِ، ثُمَّ أقبَلَ عَلَيهِ يَضرِبُهُ بِسَيفِهِ حَتّى قَتَلَهُ.
قالَ عَفيفٌ: كَأَنّي أنظُرُ إلَى العَبدِيِّ الصَّريعِ قامَ يَنفُضُ التُّرابَ عَن قَبائِهِ، ويَقولُ:
أنعَمتَ عَلَيَّ يا أخَا الأَزدِ نِعمَةً لَن أنساها أبَداً.
قالَ: فَقُلتُ: أنتَ رَأَيتَ هذا؟ قالَ: نَعَم، رَأْيَ عَيني وسَمْعَ اذُني.
فَلَمّا رَجَعَ كَعبُ بنُ جابِرٍ، قالَت لَهُ امرَأَتُهُ- أو اختُهُ- النَّوارُ بِنتُ جابِرٍ: أعَنتَ عَلَى ابنِ فاطِمَةَ وقَتَلتَ سَيِّدَ القُرّاءِ! لَقَد أتَيتَ عَظيماً مِنَ الأَمرِ، وَاللَّهِ لا اكَلِّمُكَ مِن رَأسي كَلِمَةً أبَداً. وقالَ كَعبُ بنُ جابِرٍ:
|
سَلي تُخبَري عَنّي وأنتِ ذَميمَةٌ |
غَداةَ حُسَينٍ وَالرِّماحُ شَوارِعُ |
|
|
ألَم آتِ أقصى ماكَرِهتِ ولَم يُخِل |
عَلَيَّ غَداهَ الرَّوعِ ما أنَا صانِعُ |
|
[١]. المغفر: زرد ينسج من الدروع على قَدر الرأس، يُلبس تحت القلنسوة( الصحاح: ج ٢ ص ٧٧١« غفر»).
[٢]. يُنَضْنِضُهُ: أي يُحرّكه( النهاية: ج ٥ ص ٧٢« نضنض»).
[٣]. المِصاعُ: المجالدة والمضاربة( النهاية: ج ٤ ص ٣٣٧« مصع»).