منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩ - المعنى
كلام الشّارح المعتزلي و ستطلع عليه.
و كيف كان فقوله (آثروا عاجلا و أخّروا آجلا) أراد به أنّهم اختاروا الدّنيا على الآخرة و قدّموها عليها و أخّروها عنها و ذلك لكون شهواتها حاضرة معجّلة و لذاتها غائبة مؤجّلة استعاره مرشحة (و تركوا صافيا و شربوا آجنا) أى تركوا اللّذات الاخرويّة الصّافية من الكدورات و العلائق البدنيّة، و استلذّوا باللذات الدّنيوية المشوبة بالآلام و الاسقام فاستعار لفظ الآجن للذّاتها و الجامع عدم السّوغ أو عدم الصّفاء فيها كما أنّ الماء المتغيّر الطّعم و اللّون لا يسوغ و لا يصفى و ذكر الشّرب ترشيح.
(كأنّي أنظر إلى فاسقهم) قال الشارح البحراني: يحتمل أن يريد فاسقا معيّنا كعبد الملك بن مروان، و يكون الضّمير عائد إلى بني اميّة و من تابعهم، و يحتمل أن يكون مطلق الفاسق أى من يفسق من هؤلاء فيما بعده و يكون بالصّفات الّتي أشار إليها بقوله (و قد صحب المنكر فألفه) أي أخذه الفا له (و بسأبه و وافقه) أى استأنس به و وجده موافقا لطبعه كنايه (حتّى شابت عليه مفارقه) و هو كناية عن طول عهده بالمنكر إلى أن بلغ عمره غايته، لأنّ شيب المفارق عبارة عن بياضها و هو إنّما يكون إذا بلغ الشّيوخيّة و لتأخر شيب المفرق عن شيب الصّدغ و تأكّد دلالته على طول العهد خصّصه بالذّكر استعاره (و صبغت به خلائقه) أى صارت طبائعه مصبوغة ملوّنة بالمنكر أى صار المنكر خلقا له و سجيّة، فاستعار لفظ الصبغ لرسوخ المنكر في جبلته لشدّة ملازمته له.
استعاره مرشحة (ثمّ أقبل مزبدا كالتّيّار) شبّهه بالبحر الموّاج و رشح التشبيه بذكر لفظ الازباد و وجه الشبه أنّه عند الغضب لا يبالى بما يفعله فى النّاس من المنكرات كما (لا يبالي) البحر ب (ما غرق) تشبيه و شبّهه اخرى بالنّار المضرمة الملتهبة فقال (أو كوقع النّار في الهشيم) يعني أنّ حركاته في الظّلامات مثل وقع النّار في النّبت اليابس و الدّقاق من الحطب و وجه الشّبّه أنّه (لا يحفل) و لا يبالي بظلمه