منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٢ - و اما الثاني
و أمّا آخره فهو الموت المشار إليه بقوله: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ و معناه انّه يسلب روحه و سمعه و بصره و علمه و قدرته و حسّه و إدراكه و حركته فيعود جمادا كما كان أوّل مرّة، لا يبقى إلّا شكل أعضائه و صورته، لا حسّ فيه و لا حركة، ثمّ يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأوّل نطفة مذرة.
ثمّ تبلى أعضاؤه، و تتفتت أجزاؤه، و تنخرّ عظامه، و تصير رميما رفاتا، و يأكل الدّود أجزائه فيبتدىء بحدقتيه فيقلعهما، و بخديّة فيقطعهما، و بسائر أجزائه فيصير روثا في أجواف الدّيدان، و يكون جيفة يهرب منه الحيوان، و يتنفّر منه كلّ انسان، و يكرهه لشدّة الانتان، و أحسن أحواله أن يعود إلى ما كان، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان، و يعمر منه البنيان، فيصير مفقودا بعد ما كان موجودا و صار كأن لم يغن بالأمس حصيدا، كما كان في أوّل أمره أمدا مديدا.
و ليته بقى كذلك، و يأمن ممّا يتلوه من المعاطب و المهالك، فما أحسنه لو ترك ترابا لابل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدّة البلاء، و إليه أشار بقوله:
«ثمّ إذا شاء أنشره» فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرّقة، و أعضائه المتفتّتة، و يسرع إلى أهوال القيامة، فينظر إلى قيامة قائمة و سماء مشقّقة، و أرض مبدّلة و جبال مسيّرة، و نجوم منكدرة، و شمس منكسفة. و أحوال مظلمة و كثرة عرق ملجمة، و ملائكة غلاظ شداد، و أهوال تتفتّت منها الأكباد.
و يرى الصّحائف منشورة فيقال له: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً فيقرأ فيه مساويه الّتى كان افتخاره بها، و استكباره بأسبابها، فعند ذلك يقول: يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها فيقال له: هلّم إلى الحساب و استعدّ للجواب أو تصير إلى أليم العذاب فينقطع قلبه من قول ذلك الخطاب.
فما لمن هذا حاله و التكبّر و التعزز و الكبرياء و الخيلاء، بل ماله و للفرح في لحظة واحدة فضلا عن البطر و الأشر مدّة متمادية، و لو ظهر آخره و العياذ باللَّه أحبّ أن يكون ترابا، و لا يكون إنسانا يسمع خطابا، و لا يشاهد الجحيم له مآبا