منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩١ - و اما الثاني
فانظر إلى عظم ما أنعم اللَّه سبحانه به عليه حيث نقله من حالة الذّلة و القلّة و الخسّة و القذارة إلى رتبة العزّ و الشّرف و الرّحمة و الكرامة، فصار موجودا بعد العدم، و حيّا بعد الموت، و ناطقا بعد البكم، و بصيرا بعد العمى، و قويّا بعد الضّعف و عالما بعد الجهل، و مهديّا بعد الضّلال، فكان في ذاته لا شيء و أيّ شيء أخسّ و أحقر من لا شيء، و أىّ قلّة أقلّ من العدم المحض، ثمّ صار باللَّه شيئا و إنّما خلقه من التراب الذّليل الّذي يوطأ بالأقدام، و النطفة القذرة ليعرّفه خسّة نفسه و مهانة ذاته، و أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربّه، و يعلم عظمة بارئه و جلالة مبدئه و أنّه لا يليق الكبرياء و الجلال إلّا بحضرة ربوبيّته.
فمن كان هذا بدؤه و هذا حاله كيف يسوغ له البطر و الكبر و الخيلاء و الفخر نعم هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسّته شمخ بأنفه و تعظّم.
و لو أكمله و فوّض إليه اموره و أدام له الوجود باختياره لكان أكثر من ذلك يطغى و نسى المبدأ و المنتهى، و لكنّه سلّط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة و الأسقام العظيمة، و الآلام المختلفة، و الطّبائع المتضادّة من الصّفراء و السّوداء و البلغم و الدّم يهدم بعضها بعضا شاء أم أبى، رضى أم سخط، فيجوع كرها، و يعطش كرها، و يمرض كرها، و يموت كرها، لا يملك لنفسه خيرا و لا شرّا و لا نفعا و لا ضرّا، يريد أن يعلم الشيء فيجهله، و يريد أن يذكر الشيء فينساه، و يريد أن ينسى الشيء و يغفل عنه فلا يغفل عنه، و يريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمّه فيحول في أودية الوساوس و الأفكار بالاضطرار فلا تملك قلبه قلبه و لا نفسه نفسه، و يشتهى الشيء فربما يكون هلاكه فيه، و يكره الشيء و ربّما يكون حياته فيه، يستلذّ الأطعمة و هى تهلكه و ترديه، و يستبشع الأدوية و هى تنفعه و تحييه، و لا يأمن في لحظة من ليله و لا نهاره أن يسلب سمعه و بصره و تفلج أعضائه و يختلس عقله و يختطف و يسلب جميع ما يهواه في دنياه، فهو مضطّر ذليل إن ترك بقي و إن اختطف فنى، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه و لا على شيء من غيره، فأىّ شيء أذلّ منه لو عرف نفسه و انّي يليق الكبر لو لا جهله، فهذا أوسط أحواله