منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٩٠ - و اما الثاني
و اما الجيفة الاخيرة فانّه بعذر هوق روحه يكون ميتة أخبث و أنجس و أوحش من ميتة الكلب و الخنزير، و ذلك لأنّ مسّ ميتة الكلب بالرّطوبة لا يوجب إلّا غسل اليد و تطهيرها بخلاف مسّ ميتة الانسان فقد أوجب الشارع فيه مضافا إلى تطهير الملاقي غسل المسّ مبالغة في خبث جيفته و قذارته، و ترى الأحياء أوحشوا جانب الميّت و تجنّبوا عنه و خافوا منه و لا يخافون من ميتة سائر الحيوانات و لا يستوحشون منها و اما كونه حامل الجيف فهو أظهر من أن يذكر لأنّه أخسّ من جمار يحمل العذرة، لأنّ الحمار يحملها اضطرارا و بالاجبار و الانسان يحملها بالرّضا، و الاختيار و هو يحملها على الظّهر و هذا على البطن، و إلى هذه الحالات الثلاث و ما بعدها اشير في قوله سبحانه: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ فقد أشارت الآية إلى أوّل خلق الانسان و إلى آخر أمره و إلى وسطه، فليفهم معناها و ليتفكّر في مغزاها.
فقد أتى عليه حين من الدّهر لم يكن شيئا مذكورا، و قد كان في حيّز العدم و أيّ شيء أخسّ و أقلّ من المحو و العدم، فبدء اللَّه بخلقه من أرذل الأشياء ثمّ من أقذرها إذ خلقه من سلالة من طين ثمّ من ماء مهين ثمّ من علقة ثمّ من مضغة ثمّ جعله عظاما فكسى العظام لحما، فهذا بداية وجوده.
و ما صار شيئا مذكورا إلّا و هو على أخسّ الأوصاف و أرذلها إذ لم يخلق كاملا بل خلقه جمادا ميّتا لا يسمع و لا يبصر و لا يحسّ و لا يشعر و لا ينطق و لا يبطش و لا يدرك و لا يفهم و لا يميّز و لا يعلم فبدء بموته قبل حياته، و بضعفه قبل قوّته، و بعجزه قبل قدرته، و بجهله قبل علمه، و بعماه قبل بصره، و بصممه قبل سمعه، و ببكمه قبل نطقه، و بضلاله قبل هداه، و فقره قبل غناه.
فهذا معنى قوله مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثمّ امتنّ عليه فقال:
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أى يسّر له سبيل الخير و الشرّ و أرشده إلى طريق الضّلال و الهدى يسلك الأوّل و يترك الثّاني كما قال: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً و قال: وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ.