منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٦٧ - الفصل الاول في الاشارة إلى بعثة الرسول
ثمّ بيان غاية تلك الغاية، و الاشارة إلى البعثة بقوله: فبعث إلى قوله: بالحقّ، و أشار إلى غايتها بقوله: ليخرج إلى طاعته، و أشار إلى سبب تلك الغاية بقوله: بقرآن قد بيّنه، و أشار إلى غاية تلك الغاية أعني غاية طاعة اللَّه بقوله: ليعلم العباد إلى قوله: أنكروه، انتهى.
و أنت خبير بأنّ طاعة اللَّه سبحانه و عبادته إنّما تحصل بعد حصول العلم بالرّب، لأنّها فرع الدّين و هذا أصله و الأصل مقدّم على الفرع فكيف يمكن جعله غاية لها و ما هو إلّا من مفاسد قلّة التدبّر.
(و ليقرّوا به بعد إذ جحدوه و ليثبتوه بعد إذ أنكروه) إن كان المراد بالاقرار الاقرار باللّسان وحده و بالاثبات الاثبات بالجنان يكون عطف الجملة الثّانية على الاولى من باب التأسيس، و إن اريد بكلّ منهما الأعمّ فالمعنى بالجملتين واحد و الاختلاف في العبارة، و الاتيان بهما للتفنّن و على أيّ تقدير فالاثبات و الاقرار من جنود العقل، و الجحود و الانكار من جنود الجهل كما يفيده الحديث المرويّ في الكافي في باب العقل و الجهل عن أبي عبد اللَّه ٧ هذا.
و لما ذكر أنّ بالقرآن يحصل العلم بالرّب سبحانه و الاقرار به و إثباته أشار إلى كيفيّة حصول هذا العلم بقوله: (فتجلّى لهم سبحانه) أى ظهر ظهورا بيّنا (في كتابه) ربما يفسّر الكتاب هنا بعالم الايجاد و لما كان لفظ التجلّى موهما للظّهور برؤية البصر اتبعه بقوله (من غير أن يكونوا رأوه) من باب الاحتراس الذي عرفته في المحاسن البديعيّة من ديباجة الشّرح يعني أنّه سبحانه تجلّى لعباده و ظهر لهم لا برؤية البصر بل برؤية البصيرة (بما أراهم من قدرته) و ذكّرهم من بدائع مصنوعاته و حكمته و عجائب مبدعاته و صنعته كما قال عزّ من قائل:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و قال وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ