منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٦٦ - الفصل الاول في الاشارة إلى بعثة الرسول
معجزاته و أقويها و آكدها في باب التّحدى، و ذلك لأنّ الغالب على العرب حين بعثه صلوات اللَّه عليه و آله إنشاء الخطب و الرّسائل و المبالغة في فصاحة الكلام و بلاغته و حسن البيان و سلاسته، و مراعات المطابقة لمقتضى الحال و المحافظة على محاسن اللّفظ و بدائع النكت الغريبة، و لطائف المناسبات العجيبة و وجوه الاستعارات و التخيلات، و أنحاء المجاز و الكنايات، و سائر ما يزيد في الكلام رونقا و تاثيرا في القلوب.
فبعث اللَّه النّبيّ متحدّيا بالقرآن كتابا ساطعا تبيانه قاطعا برهانه بحجج و بيّنات و رسوم و آيات عجز عن الاتيان بما يماثلها أو يدانيها مصاقع الخطباء مشتملا على رموز و أسرار و علوم و أنوار تحيّرت في إدراكها عقول الأدباء، و مواعظ و حكم تبلّدت عن فهمها أذهان الحكماء، و لم يتصدّ لمعارضة أقصر سورة من سوره واحد من الفصحاء، و لم ينهض للقدح في كلمة من كلماته ناهض من أزكياء البلغاء، مع طول المدّة و كثرة العدّة، و شدّة الحرص و قوة الكدّ و غاية العصبيّة و نهاية الانانية و الافراط في المضادّة و المضارّة، و الرّسوخ في المنافرة و المفاخرة فاختاروا المقاتلة بالسّيف و السّنان على المعارضة بالكلام و البيان و الحجّة و البرهان، بعد ما خيّروا بين الأمرين.
فعلم أنّ المأتىّ به خارج عن مقدرة البشر، و إنّما هو أمر من عند خالق القوى و القدر، و به يهتدى إلى الرّشاد، و يحصل المعرفة بالمبدإ و المعاد كما قال ٧ (ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه) يعني ببيان القرآن و أحكامه يحصل العلم بالربّ تعالى و ذلك لما اشتمل عليه من الآيات الدّالة على نعوت الجلال و صفات الجمال، و أدلّة التوحيد و براهين التّفريد مضافا إلى أنّه بنفسه مع قطع النّظر عن تلك الآيات كاف في الهداية إلى الحقّ الأوّل سبحانه بما فيه من وصف الاعجاز حسب ما اشرنا إليه، هذا.
و العجب من الشارح البحراني أنّه قال في شرح هذا المقام: و مدار هذا الفصل على بيان بعثة الرّسول، و بيان غاية البعثة، و السّبب المعدّ للوصول إلى تلك الغاية