منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٨ - التذييل الثاني
الرابعة التّذكّر بجوعه جوع الفقراء و المساكين و المحتاجين، لأنّ الانسان إنّما يقيس غيره على نفسه فيلاحظ حال الغير بملاحظة حاله، فاذا شاهد في نفسه ألم الجوع يعرف بذلك ما في المحتاجين من الألم، فيوجب ذلك مواساتهم، و يدعو إلى الاطعام و الشّفقة و الرّحمة على خلق اللّه، و الشّبعان بمعزل عن ذلك و غفلة منه.
و لذلك قيل ليوسف ٧: لم تجوع و في يديك خزائن الأرض؟ فقال:
أخاف أن اشبع فانسى الجايع.
الخامسة التّذكّر به جوع يوم القيامة و عطشه، فانّ العبد لا ينبغي أن يغفل أهوال يوم القيامة و آلامها.
قال في عدّة الدّاعي: قال النّبيّ ٦: أكثر النّاس شبعا أكثرهم جوعا يوم القيامة، لأنّ تذكّرها يهيج الخوف و الخشية من اللّه و هو زمام النّفس الأمّارة العاطف لها عن الفحشاء و المنكر.
السادسة و هي أعظم الفوايد كسرة شهوات المعاصي كلّها و الاستيلاء على النّفس فانّ منشأ المعاصى الشّهوات و القوى، و مادّة القوى و الشّهوات هى الأطعمة البتّة، فتقليلها يضعف كلّ شهوة و قوّة، و إنّما السّعادة كلّها في أن يملك الرّجل نفسه و لا يملكه نفسه و كما أنّك لا تملك الدّابة الجموح إلّا بضعف الجوع و الهزال فاذا شبعت قويت و شردت و جمحت، فكذلك النّفس.
و لذلك قال رسول اللّه ٦: إنّ الشّيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم في العروق، فضيّقوا مجاريه بالجوع.
السابعة دفع النوم و دوام السّهر، فانّ من شبع شرب كثيرا، و من كثر شربه كثر نومه، و في كثرة النّوم ضياع العمر و فوات التهجّد و العمر أنفس الجواهر و هو رأس مال الانسان به يتّجر و يتزوّد لآخرته، و فضيلة التّهجّد غير خفيّة.
الثامنة تيسير المواظبة على العبادات، فانّ كثرة الأكل مانعة منها، لأنّها محتاجة إلى زمان يشتغل فيه بالأكل و مضغ الطّعام و ازدراده في الفم، و ربّما يحتاج إلى شراء الطّعام و طبخه و غسل اليد و نحوها، و في ذلك تفويت العمر و تضييع الوقت