منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٧ - التذييل الثاني
و آفات الشّبع على ما يستفاد من الأخبار و يدلّ عليه الوجدان و التجربة فأقول:
قال الغزالي في إحياء العلوم ما ملخّصه ببعض تصرّف و تغيير منّا: إنّ في الجوع عشر فوايد.
الفائدة الاولى صفاء القلب و إيقاد القريحة و إنفاذ البصيرة، فانّ الشّبع يورث البلادة و يعمى القلب و يكثر البخار في الدّماغ شبه السّكر حتّى يحتوي على معادن الفكر، فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار و عن سرعة الادراك قال رسول اللّه ٦: أحيوا قلوبكم بقلّة الضّحك و قلّة الشّبع، و طهّروها بالجوع تصفو و ترق.
و قال لقمان لابنه: يا بنىّ إذا امتلائت المعدة نامت الفكرة و خرست الحكمة و قعدت الأعضاء عن العبادة.
الثانية رقّة القلب و صفائه الّذي به يتهيّأ لادراك لذّة المناجاة و التّأثر بالذّكر، فكم من ذكر يجرى على اللّسان و لكنّ القلب لا يلتذّ به و لا يتأثّر حتّى كأنّ بينه و بينه حجابا من قسوة القلب، و إنّما يحصل التّلذّذ و التّأثّر بخلوّ المعدة كما هو معلوم بالتّجربة.
الثالثة الانكسار و الذّل و زوال البطر و الأشر و الفرح الّذي هو مبدء الطغيان و الغفلة عن اللّه كما قال تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى فلا تنكسر النّفس و لا تذلّ بشيء كما تذلّ بالجوع، فعنده تسكن لربّها و تخشع و تذعن بعجزها و ذلّها لما ذاقت حيلتها بلقمة طعام و أظلمت الدّنيا عليها بشربة ماء، و ما لم يشاهد الانسان ذلّ نفسه و عجزه لا يرى عزّة مولاه و لا قهره.
و لذلك إنّ النّبيّ ٦ لمّا جاءه جبرئيل و عرض عليه خزائن الدّنيا و أبي من قبولها قال لجبرئيل: دعنى أجوع يوما و أشبع يوما، فاليوم الّذي أجوع فيه أتضرّع إلى ربّي و أسأله، و اليوم الّذي أشبع فيه أشكر ربّي و أحمده، فقال له جبرئيل: وفّقت لكلّ خير.