منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٣١ - المعنى
اعطى له من خزائن رحمة اللَّه ما يستعدّ به للوصول إلى ما هو خير له و سعادة بالنسبة إليه و يحترز عمّا هو شرّ له و شقاوة، و لا شكّ أنّ الانسان أشرف هذه الأنواع فاعطاء ما يستطيع به لطلب ما هو الخير و السّعادة له أولى و أوجب، لكن لمّا كان كماله الخاصّ به أمرا متميّزا عن كمالات ساير الأنواع الحيوانيّة من جلب مأكول أو مشروب أو منكوح و نحوها من كمالات البهايم، فليس خيره و سعادته ممّا يوجد في هذا العالم، بل كماله و خيره في العلم و التّجرد عن الدّنيا و ما فيها و التّقرّب إليه تعالى و ملكوته الأعلى فيجب في العناية الرّبانيّة أن يعطيه ما يهتدى به إلى سبيل سعادته و طريق نجاته، و يتجنّب عن طريق شقاوته و شقائه بأن يعرف أوّلا و لو بوجه من الوجوه ما الاله و ما الملكوت و ما الآخرة و ما الاولى، و ما السعادة و الشقاء، ثمّ إن كان ممّن لا يهتدى إلى ذلك إلّا بواسطة معلّم من خارج من نبيّ أو امام أو كتاب وجب عليه تعالى أن يعرّفه ذلك و وجب عليه أن يتعلّم منه و يطيع له و يقبل منه روى يزيد بن معاوية عن أبي عبد اللَّه ٧ قال: ليس للَّه على خلقه أن يعرفوا و للخلق على اللَّه أن يعرّفهم، و للَّه على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا إذا عرفت ذلك فأقول: إنّ الانسان قد أعطاه اللَّه سبحانه بمقتضا عنايته العقل يهتدى به إلى مصالحه و مفاسده، و جعل عقول بعض أفراد هذا النوع كاملة فاضلة غير محتاجة في كسب كمالاتها إلى الغير و هى عقول الأنبياء و الرّسل و الأئمّة :، و جعل عقول غيرهم ناقصة، فهؤلاء لا يكمل معرفتهم إلّا بمعلّم خارجي، لعدم استقلال عقلهم بمعرفة كثير من المصالح و المفاسد و المنافع و المضارّ، و ذلك المعلّم هو النبيّ ٦ و الامام.
و إلى هذا المعنى أشار أبو عبد اللَّه ٧ في رواية الكافي حيث قال: أبي اللَّه أن يجرى الأشياء إلّا بأسباب، فجعل لكلّ شيء سببا و لكلّ سبب شرحا، و جعل لكلّ شرح علما، و جعل لكلّ علم بابا ناطقا عرفه من عرفه و جهله من جهله ذاك رسول اللَّه ٦ و نحن.