منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٢ - المعنى
يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه و آخر من قدامه يلتهبان نارا حتّى يلهبا جسده ثمّ يقال له: هذا الّذي كان في الدّنيا ذا وجهين و ذا لسانين يعرف بذلك يوم القيامة.
(اعقل ذلك) أشار به إلى ما يذكره بقوله إنّ البهايم آه (فانّ المثل دليل على شبهه) لمّا كان أكثر الأفهام قاصرة عن إدراك الماهيّة العقليّة للشّيء إلّا في مادّة محسوسة كمن لا يعرف حقيقة العلم مثلا فيقال له إنّه مثل اللّبن حيث إنّه غذاء للرّوح النّاقص و يصير به كاملا كما يتغذّي باللّبن الطّفل النّاقص و به يصير كماله و هكذا، لا جرم جرت عادة اللَّه تعالى و عادة رسله و أوليائه في بيان الأحكام للنّاس و تبليغ التكاليف اليهم على ضرب الأمثال تقريبا للأفهام و أكثر القرآن أمثال ضربت للنّاس ظواهرها حكاية عن حقايقها المكشوفة عند ذوى البصاير قال صدر المتألّهين: كثر في القرآن ضرب الأمثال لأنّ الدّنيا عالم الملك و الشّهادة، و الآخرة عالم الغيب و الملكوت، و ما من صورة في هذا العالم إلّا و لها حقيقة في عالم الآخرة و ما من معنى حقيقى في الآخرة إلّا و له مثال و صورة في الدّنيا، إذ العوالم و النّشئات مطابقة تطابق النفس و الجسد، و شرح أحوال الآخرة لمن كان بعد في الدّنيا لا يمكن إلّا بمثال، و لذلك وجدت القرآن مشحونا بالأمثال كقوله:
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ^ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مثله كَمَثَلِ الْكَلْبِ مثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ.
و ليس للأنبياء أن يتكلّموا مع الخلق إلّا بضرب الأمثال، لأنّهم كلّفوا أن يكلّموا النّاس على قدر عقولهم، و قدر عقولهم أنّهم في النوم و النائم لا يكشف له شيء إلّا بمثل، فاذا ماتوا انتبهوا و عرفوا أنّ المثل صادق، فالأنبياء هم المعبرون لما عليه أهل الدّنيا من الأحوال و الصّفات و ما يؤل عليه عاقبتها في يقظة الآخرة بكسوة الأمثال الدّنيوية إذا عرفت ذلك فأقول: إنّ أمير المؤمنين ٧ لمّا كان مقصوده التمثيل و أداء