منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١٢ - المعنى
وطرهم) أى الشهوات النفسانية الّتي كانت أهمّ حاجاتهم، لأنها قد زالت عنهم (و انّي أحذّركم و نفسي هذه المنزلة) أراد بها الحالة التي كان الموصوفون عليها من الغفلة و الجهالة، و تشريك نفسه ٧ معهم في التحذير لتطييب قلوب السامعين و تسكين نفوسهم ليكونوا إلى الانقياد و الطاعة أقرب، و عن الآباء و النفرة أبعد، و في بغض النسخ بدل المنزلة المزلّة، فالمراد بها الدّنيا الّتي هي محلّ الزّيغ و الزّلل و الخطاء و الخطل و لمّا نبّههم بعدم الانتفاع بالمطالب و المآرب الدّنيوية أردف ذلك بالتنبيه على ما نفعه أعمّ، و صرف الهمّة إليه أهمّ فقال: (فلينتفع امرء بنفسه) بأن يصرفها فيما صرفها فيه أولوا الأبصار و الفكر و يوجّهها الى ما وجّهها إليه أرباب العقول و النظر و إليه أشار بقوله (فانّما البصير) العارف بما يصلحه و يفسده و الخبير المميّز بين ما يضرّه و ينفعه (من سمع) الآيات البيّنات (فتفكّر) فيها (و نظر) إلى البراهين الساطعات (فأبصر) ها و أمعن فيها (و انتفع بالعبر) أى نظر بعين الاعتبار إلى السلف الماضين من الجبابرة و الملوك و السلاطين و غيرهم من الناس أجمعين كيف انتقلوا من ذروة القصور إلى و هدة القبور، و من دار العزّ و المنعة إلى بيت الذّلّ و المحنة، و فارقوا من الأموال و الأوطان، و جانبوا الأقوام و الجيران، و صاحبوا الحيّات و الديدان، و كيف كانت الدّيار منهم بلاقع، و القبور لهم مضاجع و اندرست آثارهم، و انقطعت أخبارهم، و خربت ديارهم، و قسمت أموالهم، و نكحت أزواجهم، و حشر في اليتامى أولادهم، و أنكرهم صديقهم، و تركهم وحيدا شفيقهم، ففى أقلّ هذه عبرة لمن اعتبر، و تذكرة لمن اتّعظ و تذكّر (ثمّ سلك جددا) أى طريقا (واضحا) و هو الصراط المستقيم، و النهج القويم أى جادّة الشريعة و منهج الدّين الموصل لسالكه إلى حظاير القدس، و مجالس الانس بشرط أن (يتجنّب) و يتباعد (فيه) عن اليمين و الشمال فانّ الطريق الوسطى هى الجادّة و اليمين و الشمال مزلّة و مضلّة توجبان (الصّرعة في المهاوى و الضلال