منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢١١ - المعنى
درجة الكمال و السّلامة في مهابط الهلاك و مهوات الغفلة و ينخرط في سلك ساير الجهّال و الغافلين كنايه (و يغدو مع المذنبين) أى يصبح معهم و هو كناية عن موافقته لهم و ملازمته إيّاهم في ارتكاب المعاصي و انهماك الآثام و الذّنوب (بلا سبيل قاصد و لا إمام قائد) أى من دون أن يسلك سبيلا مستقيما يوصله إلى المطلوب و يتّبع إماما عادلا يقوده إلى الصّواب و أما الفصل الثاني متضمّن للنّصح و الموعظة و تذكير المخاطبين بالموت و تنبيههم من نوم الغفلة و هو قوله (حتّى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم و استخرجهم من جلابيب غفلتهم) قال الشّارح البحراني: النفس ذو جهتين جهة تدبير أحوالها البدنيّة بما لها من القوّة العملية، و جهة استكمالها بقوّتها النظرية التي تتلقّى بها من العاليات كمالها، و بقدر خروجها عن حدّ العدل في استكمال قوّتها العملية تنقطع عن الجهة الأخرى و تكتنفها الهيآت البدنيّة فتكون في أغطية منها و جلابيب من الغفلة عن الجهة الاخرى بالانصباب إلى ما يقتنيه مما يعدّ خيرا في الدّنيا و بسبب انصبابها في هذه الجهة و تمكن تلك الهيآت البدنية منها يكون بعدها عن بارئها و نزولها في دركات الجحيم عن درجات النعيم و بالعكس كما قال ٦ و: الدّنيا و الآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحداهما تبعد من الأخرى، و ظاهر إنّ بالموت تنقطع تلك الغفلة، و تنكشف تلك الحجب، فيؤمئذ يتذكر الانسان و أنى له الذّكرى، و يكون ما أثبته له يومئذ من تعلّق تلك الهيئات بنفسه و حطها له عن درجات الكمال من السلاسل و الأغلال هو جزاء معصيتهم المنكشف لهم، انتهى، هذا تشبيه المعقول بالمحسوس [حتّى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم و استخرجهم من جلابيب غفلتهم] و تشبيه الغفلة بالجلباب من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، و وجه الشّبه إحاطتها بهم و ملازمتها لهم إحاطة الثوب بالبدن و لزومه له و قوله (استقبلوا مدبرا و استدبروا مقبلا) أراد بالمدبر الّذي استقبلوه ما كان غائبا عنهم من الشقاء و النكال و النقم، و بالمقبل الّذي استدبروه ما كان حاضرا لهم من الآلاء و الأموال و النعم (فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم) أى اللّذات الدّنيوية التي كانت أعظم طلباتهم، لأنّهم تركوها وراء ظهورهم (و لا بما قضوا من