منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٣ - المعنى
و ارادته له لا يريد غير ما أراده سبحانه كنايه (و ان تدحض القدم) و تزلق و هو كناية عن الموت تشبيه (فانّا كنّا في أفياء أغصان) و ظلالها (و مهبّ رياح) أى محلّ هبوبها (و تحت ظلّ غمام اضمحلّ) و فنى (في الجوّ) أى ما بين السّماء و الأرض (متلفّقها) و ملتئمها (و عفى) و انمحى (في الأرض مخطّها) أى أثرها و علامتها و الغرض بهذه الجملات أنّي إن متّ فلا عجب، فانّا كنّا في امور فانية شبيهة بتلك الامور، لأنّها كلّها سريعة الانقضاء لا ثبات لها و لا بقاء، أو لا أبالي فانّي كنت في الدّنيا غير راكن إليها كمن كان في تلك الامور، و فيه حثّ للقوم أيضا على الزّهد في الدّنيا و ترك الرّغبة في زخارفها.
استعاره- استعاره بالكنايه [فانّا كنّا في أفياء أغصان و مهبّ رياح و تحت ظلّ غمام اضمحلّ في الجوّ متلفّقها و عفى في الأرض مخطّها] و قيل: أراد على وجه الاستعارة بالأغصان الأركان من العناصر الأربعة، و بالأفياء تركيبها المعرض للزّوال، و بالرّياح الأرواح، و بمهبّها الأبدان الفايضة هي عليها بالجود الالهي، و بالغمام الأسباب العلويّة من الحركات السّماويّة و الاتّصالات الكوكبيّة و الأرزاق المفاضة على الانسان في هذا العالم الّتي هي سبب بقائه، و كنّى باضمحلال متلفّقها في الجوّ عن تفرّق الأسباب العلويّة للبقاء و فنائها، و بعفاء مخطّها في الأرض عن فناء آثارها في الأبدان.
(و إنما كنت جارا) أي مجاورا (جاوركم بدني أيّاما) تخصيص المجاورة بالبدن لأنّها من خواصّ الأجسام أو لأنّ روحه ٧ كان معلّقا بالملاء الأعلاء و هو بعد في الدّنيا (و ستعقبون منّي) أى تعطون عقيب فقدى و تجدون بعد رحلتى (جثّة خلاء) أى جسدا و بدنا خاليا من الرّوح و الحواسّ (ساكنة بعد حراك و صامتة بعد نطوق) أى متبدّلة الحركة بالسّكون و النّطق بالسّكوت (ليعظكم هدّوى) و سكونى (و خفوت اطراقى) أى سكون ارخاء عينى إلى الأرض و هو كناية عن عدم تحريك الأجفان، و قد مرّ وجوه اخر في بيان اللغة فتذكّر (و سكون أطرافي) أى الرّاس و اليدين و الرجلين و غيرها من الجوارح و الأعضاء و جناس الخط بين قوله اطرافي و اطرافي غير خفيّ (فانّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ و القول المسموع) لأنّ الطّباع أكثر اتعاظا و انفعالا عن مشاهدة