منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٠ - المعنى
فقد ظهر و اتّضح بذلك كلّه أنّه ٧ كان يعرف تفصيلا زمان قتله و مكانه كما ظهر دفع الاشكال فيه و الاعتراض عليه بأنّه مع المعرفة التفصيليّة كان الواجب عليه حفظ نفسه و عدم إلقاءه لها إلى التهلكة.
فان قلت: سلّمنا هذا كلّه و لكن ما تصنع بقوله ٧ كم اطّردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى اللَّه إلّا إخفاءه؟
قلت: يمكن توجيهه بأن يكون المراد بهذا الأمر خفاء الحقّ و مظلوميّة أهله و ظهور الباطل و غلبة أصحابه و كثرة أعوانه، لأنّه ٧ سعى في أوّل الأمر في أخذ حقّه غاية السّعى فلم يتيسّر و جرت امور لم يكن يخطر ببال أحد وقوع مثله، و في آخر الأمر لمّا انتهى إليه و حصل له الأنصار و الأعوان و جاهد في اللَّه حقّ الجهاد و غلب على المنافقين سنحت فتنه التحكيم الّتي كانت من غرايب الامور ثمّ بعد ذلك لمّا جمع العساكر و أراد الخروج إليهم وقعت الطامة الكبرى، فالمراد بالمكنون سرّ ذلك و سببه فظهر لي و أبى اللَّه إلّا إخفاءه عنكم لضعف عقولكم عن فهمه، إذ هي من غوامض مسائل القضاء و القدر.
و هذا التوجيه أورده المحدّث المجلسيّ في مرآت العقول نقلا عن بعضهم و استحسنه.
و محصّله أنّ المراد بالأمر المكنون في كلامه ٧ سرّ غلبة الباطل على الحقّ و علّة مظلومية أهل الحقّ، و المراد باخفاء اللَّه إياه إخفاءه منهم لا منه ٧، فيكون هذا الكلام منه نظير قوله ٧ في الكلام الخامس: بل اند مجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة.
قوله (هيهات علم مخزون) أى بعد الاطلاع على ذلك السّر فانه علم مخزون و من شأن المخزون أن يسرّ و يخفى.
ثمّ شرع في الوصيّة فقال: (أما وصيّتي فاللَّه لا تشركوا به شيئا) أى وحّدوه و أخلصوا العمل له و الزموا أوامره و نواهيه (و محمّدا ٦ فلا تضيّعوا سنّته) أى لا تهملوها، و هو أمر بلزوم شرايع الدّين و سلوك نهج الشرع المبين.