منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٠٠ - و أما الثالث
ذليلا مفلسا.
و اما القوة و شدة البطش فيكفى في المنع من التكبّر به أن يعلم ما سلّط عليه من العلل و الأمراض، و أنّه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كلّ عاجز و أذلّ من كلّ ذليل، و أنّه لو سلبه الذّباب شيئا لم يستنقذه منه، و أنّ بقّة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته، و أنّ شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته، و أنّ حمى يوم تحلّل من قوّته ما لا ينجبر في مدّة، فمن لا يطيق شوكة و لا يقاوم بقّة و لا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فلا ينبغي أن يفتخر بقوّته.
ثمّ إن قوى الانسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل، و أىّ افتخار في صفة يسبقه فيها البهائم.
و أمّا الزهد و العبادة فيزول التكبّر بهما على الفاسق بالتفكّر في سوء الخاتمة و حسنها، فربّما يموت الفاسق و يختم له بالخير، و يزلّ العابد فيختم له بالشرّ.
ألا ترى إلى برصيصاء عابد بني إسرائيل كيف سائت خاتمته على ما عرفت في شرح الفصل السّادس من الخطبة الثانية و الثمانين.
و إلى خليع بنى إسرائيل كيف حسنت عاقبته و كان من قصّته أنّه لكثرة فساده يسمّى خليع بني إسرائيل، فمرّ يوما برجل يقال له عابد بني إسرائيل، و كان على رأس العابد غمامة تظلّله فلمّا مرّ الخليع به قال الخليع في نفسه: أنا خليع بني إسرائيل و هذا عابد بني إسرائيل، فلو جلست إليه لعلّ اللَّه يرحمني، فجلس إليه فقال العابد: أنا عابد بني إسرائيل و هذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلىّ، فأنف منه و قال له: قم عنّي، فأوحى اللَّه إلى نبيّ ذلك الزّمان مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع و أحبطت عمل العابد، و في رواية اخرى فتحوّلت الغمامة إلى رأس الخليع.
و كيف كان فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الأمور الّتي يزعمها المتكبّر كمالا له و يتعزّز بها على غيره ليست كمالا في الحقيقة، بل هى منقصة و وبال.
و يرشد إلى ما ذكرته ما روى عن النّبيّ ٦ إنّ اللَّه سبحانه أوحى إليه