الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٤٨٦ - تبصرة في أن عذاب القبر مرتبط بعالم الملكوت لا عالم المشاهدة
في القبر على حاله الذي تركناه عليه و لا نرى معه شيئا من تلك الحيّات و العقارب، فكيف يمكن التصديق بما يخالف المشاهدة؟
فاعلم انّ عدم سماعك و مشاهدتك شيئا من ذلك في عالم الملك لا يمنع من التصديق به، فإنّ هذه الامور من عالم الملكوت و هذه الاذن و العين لا يصلحان لسماع الامور الملكوتية و مشاهدتها، بل إنّما تدرك تلك الامور بجنس آخر من الحواس. أما ترى الصحابة كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل ٧ على النبيّ ٦ و يذعنون بأنّ النبيّ ٦ كان يشاهده و هو يخاطبه و هم لا يشاهدونه و لا يسمعون خطابه. فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة و الوحي أهمّ، و أوجب عليك من تصحيح الإيمان بعذاب القبر إن كنت آمنت بذلك و جوّزت أن يشاهد النبيّ ٦ ما لا تشاهده الامّة و يسمع ما لا يسمعونه، فجوّز مثل ذلك فيما نحن فيه أيضا.
و ممّا يكسر سورة استبعادك أن تتفكّر في حال النائم في مجلس فيه جماعة، فإنّه قد يرى في منامه أنّ عقارب و حيّات تلدغه أو أنّ أشخاصا يعاقبونه بأنواع العقارب و يصرخون عليه بأصوات هائلة و هو يتألّم من ذلك غاية التألّم و يتأذّى به نهاية التأذّي، و ربّما يصيح في أثناء النوم و يرتعد و يغرق من شدّة الاضطراب، مع أنّ الجماعة الجالسين حوله لا يسمعون شيئا من تلك الأصوات و لا يرون شيئا من تلك الحيّات و العقارب و الأشخاص التي يسمعها هو يشاهدها في النشأة المنامية، فقس على ذلك عذاب القبر و حيّاته. و غرضنا من هذا مجرّد التشبيه و التنبيه، و ليس القصد أنّ حيّات القبر و عقاربه خياليّة أيضا كحيّات المنام و عقاربه. هيهات فإنّها أشدّ و أدهى من حيّات اليقظة و عقاربها، بل نسبتها إليها كنسبة حيّات اليقظة و عقاربها الى حيّات النوم و عقاربه، فإنّ الناس