الأربعون حديثا - الشیخ البهائي - الصفحة ٣٤٤ - في ضرر اليأس من المغفرة لكثرة الذنوب
يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى[١]. أراد ٧ أنّ النبيّ ٦ لا يرضى و واحد من امّته في النار.
و الأحاديث الواردة في سعة عفو اللّه و جزيل رحمته و وفور مغفرته كثيرة جدّا، و لكن لا بدّ لمن يرجوها و يتوقّعها من العمل الخالص المعدّ لحصولها و ترك الانهماك في المعاصي المفوّت لهذا الاستعداد، كمن ألقى البذر في أرض و ساق إليها الماء في وقته و نقّاها من الشوك و الأحجار و بذل جهده في قلع النباتات الخبيثة المفسدة للزرع ثمّ جلس ينتظر كرم اللّه و لطفه سبحانه مؤمّلا أن يحصل له وقت الحصاد مائة قفيز مثلا. فهذا هو الرجاء الممدوح. و أمّا من تغافل عن الزراعة و اختار الراحة طول السنة و صرف أوقاته في اللهو و اللعب ثمّ جلس ينتظر أن ينبت اللّه له زرعا من دون سعي و كدّ و تعب و كان طامعا أن يحصل له كما يحصل لصاحبه الذي صرف ليله و نهاره في السعي و الكدّ و التعب، فهذا حمق و غرور لا رجاء.
فالدنيا مزرعة الآخرة، و الأرض القلب، و الإيمان البذر، و الطاعات هي الماء الذي يسقى به الأرض. و تطهير القلب من المعاصي و الأخلاق الذميمة بمنزلة تنقية الأرض من الشوك و الأحجار و النباتات الخبيثة، و يوم القيامة هو وقت الحصاد.
فاحذر أن يغرّك الشيطان و يثبّطك عن العمل و يقنعك بمحض الرجاء و الأمل، و انظر الى حال الأنبياء و الأولياء و اجتهادهم في الطاعات و صرفهم العمر في العبادات ليلا و نهارا، أما كانوا يرجون عفو اللّه و رحمته؟ بلى و اللّه إنّهم كانوا أعلم بسعة رحمة اللّه و أرجى لها منك و من كلّ أحد، و لكن علموا أنّ رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض و سفه بحت، فصرفوا في العبادات أعمارهم، و قصروا على الطاعات ليلهم و نهارهم.
[١] الضحى: ٥.