التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣ - ٢ - نزول جبرائيل
و آله) و تكلّم معه، و النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) راقد[١].
و أمّا نزول الملك عليه بالوحي من غير أن يراه فكثير أيضا، امّا إلقاء على مسامعه و هو يصغي إليه، أو إلهاما في قلبه فيعيه بقوّة. قال تعالى: «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ»[٢].
كان (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في أوائل نزول الملك عليه بالوحي، يخشى أن يفوته اللفظ و من ثمّ كان يحرّك لسانه و شفتيه ليستذكره و لا ينساه، فكان يتابع جبرائيل في كلّ حرف يلقيه عليه، فنهاه تعالى عن ذلك و وعده بالحفظ و الرعاية من جانبه تعالى قال: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ»[٣] و ربّما كان (صلى اللّه عليه و آله) يقرأ على أصحابه فور قراءة جبرئيل عليه، و قبل أن يستكمل الوحي أو تنتهي الآيات النازلة، حرصا على ضبطه و ثبته، فنهاه تعالى أيضا و قال: «وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»[٤] فاطمأنه تعالى بالحفظ و الرعاية الكاملة. فكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بعد ذلك إذا أتاه جبرئيل، استمع له، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه[٥] قال تعالى: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى»[٦].
و إشارة الى هذا النحو من الوحي الذي هو نكت في القلب قال (صلى اللّه عليه و آله):
«إنّ روح القدس نفث في روعي»
[٧] و هو سواد القلب، كناية عن السرّ الباطن، و المقصود: روحه الكريمة.
[١] بحار الأنوار: ج ٢٠ ص ٢١٠ و ج ٢٢ ص ٣٣١- ٣٣٢ ح ٤٣. و مجمع البيان: ج ٨ ص ٣٥١.
[٢] الشعراء: ١٩٢- ١٩٥.
[٣] القيامة: ١٦- ١٩.
[٤] طه: ١١٤.
[٥] الطبقات: ج ١ ص ١٣٢.
[٦] الاعلى: ٦.
[٧] الإتقان: ج ١ ص ٤٤.